فهرس الكتاب

الصفحة 15602 من 27364

(( ولما مضوا به الى الموضع الذي يدعى جمجمة صلبوه هناك مع المذنبين واحدا عن يمينه والآخر عن يساره .- إنجيل لوقا 23/33 ) ). و بعد ذلك بقليل يقول لوقا (( واظلمت الشمس وانشقّ حجاب الهيكل من وسطه . ونادى يسوع بصوت عظيم وقال يا ابتاه في يديك استودع روحي .ولما قال هذا اسلم الروح - إنجيل لوقا 23/45-46 ) ). فجملة (صلبوه) لم تعنِ لأحد بأنه قد فارق الحياة.

أما من تبنوا نظرية الإغماء - ممن يدعون الإيمان بالقرآن الكريم - ففهموا من الأناجيل كلها أن جملة"صلبوه"تعني"علقوه على الصليب". لكنهم فهموا من نفس الجملة"صلبوه"في القرآن أنها تعني"قتلوه". و نحن نفهم قبول القاديانيين و اللاهوريين لهذه الباطنية و التناقض فدينهم دين الطاغوت المتناقض المليء بالسخافات. لكننا نعجب ممن يدين عبيد غلام قاديان لكنه يقلدهم فيما اقترفوه من تفسير أعوج لهذه الآية الكريمة.

أما الفعل"صَلَبَ"في القرآن فلم يأت إلا بمعنى"علق على الصليب"، لكن السياق في الآيات أفاد بأن المفعول به قد مات أو أنه يجب أن يموت، و أنا أورد هنا الآيات الأخرى التي ورد فيها الفعل صلب:

(( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) )المائدة 33

الآية فيها تخيير للحاكم المسلم بإقامة إحدى العقوبات المذكورة حسب حال المحارب. و الراجح أن الصلب يكون إذا جمع الشخص جريمة القتل إضافة إلى جريمة الحرابة، و الصلب يكون بعد القتل حتى لا يحال بين المصلوب و بين الصلاة. و الله أعلم.

و قد اختلف العلماء في صلب المحارب، فمنهم من رأى القتل ثم الصلب، و منهم من رأى الصلب ثم القتل، و قال بعض أهل الظاهر أن الصلب هنا يكون بدون قتل، و نفوا أن يكون الصلب هو القتل لأن المصلوب برأيهم يموت حتف أنفه، و لا يجوز إنزاله عن الصليب حياً لأن الله لم يذكر مدة محددة للصلب (( و ما كان ربك نسياً ) )، لكن الواجب دفن الميت في النهاية عملاً بالأوامر الأخرى الواردة في هذا الشأن.

و قد روي عن الشافعي أنه أفتى بصلب المحارب لثلاثة أيام بعد قتله ليكون عبرة لغيره. وقَال أَبو يوسف: إِذا أَخذ المال وقتل صُلبَ وَقتِلَ عَلَى الْخشبَة ; قَال اللّيث: يقتل بِالْحربة مصلوبا . وقَال أَبو حنيفة: إِذَا قَتَلَ قُتِلَ ، وإِذا أَخذ الْمال ولَم يَقتل قُطِعَت يَده ورجله من خلاف، وإِذا أَخذ المال وقَتَل فَالسلطَان مخيَّر فيه ، إِن شاء قَطَعَ يده وَرِجله وَإِنْ شَاءَ لَم يقطع وقَتَلَه وَصلَبَهُ. و روي هذا أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنه. و قال الإمام الطبري رحمه الله بأنه ليس للحاكم أن يصلب المحارب حياً و يتركه على الخشبة مصلوباً حتى يموت من غير قتله، و ادعى الطبري الإجماع على هذا بينما الحقيقة أن هذا هو رأي الجمهور.

فجمهور العلماء لم يقولوا بترك المحارب ليموت على الصليب بل الحاكم مخيربقتله ثم تعليقه على الخشبة أو قتله بدون تعليقه. و هذا هو الأولى و الله أعلم. و لا ينبغي تعليق الشخص على الصليب لفترة ثم إنزاله حياً لأن الصلب و سيلة للقتل، فما دامت مذكورة للعقاب فلا ينبغي صرف الوسيلة إلى التعذيب فقط، خاصة و أن المصلوب ستفوته الصلوات إن بقي حياً على الصليب. قال الشافعي (أَكرَه أَنْ يُقْتل مَصلُوبا لِنَهيِ رَسُول اللَّ صلى الله عليه وسلم عن الْمُثلَة) . و من ناحية أخرى فإن الصلب يلجأ إليه إن جمع المحارب بين جريمتي القتل و الحرابة، فلا يجوز إسقاط حد القتل عن المحارب القاتل، فيجب قتله قبل أو بعد صلبه.

و من العلماء من قال بأنه لا يجوز الجمع بين عقوبتين للحرابة في وقت واحد لأن الآية تعطي الخيار للحاكم باختيار عقوبة واحدة فقط، و هذا القول صحيح، لكن الناظر إلى تطبيقات الفقهاء لا يراهم يجمعون أكثر من عقوبة للحرابة بل هم يجمعون بين عقوبة واحدة للحرابة و عقوبات أخرى للجرائم التي قد يكون المحارب قد اقترفها. فإن جمع المحارب بين جريمتي الحرابة و القتل جاز لنا قتله حداً لجريمة القتل ثم صلبه حداً لجريمة الحرابة. أما قتله على الصليب فجائز و الله أعلم إن كان بطريقة تنفيذ قصاص القتل، أما طعنه بالحربة أو ما شابه ذلك فلا ينبغي لأننا مأمورون بالإحسان في كل شيء.

(( يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تستفتيان ) )- سورة يوسف 41

واضح من الآية أن الرجل الذي سوف يصلب لن ينزل عن الصليب حياً، فالطير لا تأكل من رأس الحي على الصليب بل تجرؤ على ذلك بعد موته و تحلل جسده و لو قال (و أما الآخر فيلقى في البحر فتأكل الأسماك من رأسه) لفهمنا أيضاً أنه سيقتل، مع أن الإلقاء في البحر لا يعني الموت بالضرورة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت