فهرس الكتاب

الصفحة 15603 من 27364

(( قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى ) )- سورة طه 71

هدد فرعون السحرة الذين أسلموا بتقطيع الأعضاء من خلاف و من ثم تعليقهم على الصلبان ليتعفنوا هناك، و ذلك ظاهر من تهديده بالعذاب الشديد الباقي، فلا يتصور أنه كان ينوي إنزالهم عن الصليب أحياء و ينجوا بفعلتهم.

و لو قال لهم فرعون (و لأدقَن أجسادكم في جذوع النخل و لتعلمن أينا أشد عذاباً و أبقى) لفهمنا أيضاً أنه لن ينزلهم أحياء بعد تعليقهم، و إلا لما كان تهديده شديداً. و كذلك لو قال لهم (و لألقينّ أجسادكم في الصحراء ..) فإننا سنفهم من تهديده أنه سيتركهم هناك ليموتوا حراً و جوعاً و عطشاً، و هكذا.

إذاً فالفعل"صَلَبَ"في القرآن لم يأت بمعنى قتل، و لكن السياق أفاد بموت الضحية، و أنا أريد أن أقارن بين الفعل"صلب"و الفعل"جلد"حيث ألفت انتباه القاريء الكريم إلى الآيتين التاليتين:

(1) قال تعالى (( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً - سورة النور: 4 ) )لنتفكّر قليلاً في هذه العقوبة"الجلد".

الجلد هو وسيلة للعقاب الهدف منها التعذيب أو الإيلام. و لو قام أحدهم بجلد شخص ما لكنه لم يؤلمه لما استطعنا أن ننفي ان الشخص قد جُلِد. لكن سياق الآية يبيّن الغاية من جلد الذين يقذفون المحصنات و هو التعذيب و الإيلام حيث أنّ الجلد في العادة وسيلة للتعذيب.

لذلك لا يجوز للمسلمين مثلاً أن يقوموا بتخدير القاذف قبل جلده و معالجة جروحه قبل أن يصحو من التخدير. و لو فعلوا فجلدوه و هو تحت البنج أو المخدّر لما استطاع شخص أن ينفي أنهم قد جلدوه بالفعل. لكن سياق الآية يذكر وسيلة للتعذيب فلا يجوز استخدامها هنا بدون التعذيب بلا قرينة.

(2) و قال تعالى (( إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ - سورة المائدة: 34 ) ). لنتفكر قليلاً في هذه العقوبات"التصليب"و"تقطيع الأيدي و الأرجل".

التصليب في الآية هو وسيلة للعقاب الهدف منها هو القتل في النهاية. و لو قام أحدهم بدق جسد شخص على الصليب لكنه لم يقتله لما استطعنا أن ننفي أن الشخص قد صُلِّب. لكن سياق الآية يبين الغاية من تصليب المحاربين لله و رسوله و هو القتل بعد الصلب أو الصلب بعد القتل، حيث أن التصليب في العادة هو وسيلة للقتل أو التشهير و الإهانة ليعتبر الآخرون.

و كذلك الحال بالنسبة لتقطيع الأطراف من خلاف فهي وسيلة للتعذيب الشديد و إلحاق عاهة بالمعاقََب. و لو قام أحدهم بتخدير شخص و تقطيع يديه و رجليه من خلاف ثمّ إعادتها عن طريق عملية جراحية لما استطعنا أن ننفي أن الشخص قد قطّعت أطرافه من خلاف. لكن سياق الآية يبين الغاية من تقطيع الأطراف و هو التعذيب حيث أن تقطيع الأطراف من خلاف هو في العادة وسيلة للتعذيب.

و الناظر إلى الآية ( وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ) يدرك أن الآية تنفي أمرين اثنين عن المسيح عليه السلام هما القتل و الصلب و ليس"القتل و القتل"

إذاً فالفعل"صَلَبَ"يعني"علّق على الصليب"، و هذا المعنى اتفق عليه علماء اللغة و الفقهاء في القديم و الحديث، و لم يخالفه إلا الهندي ميرزا غلام أحمد القادياني و من قلده من بعده. و أنا أورد هنا معنى الفعل"صَلَبَ"في بعض المعاجم و القواميس العربية القديمة و الحديثة:

1.المحيط (تأليف أديب اللجمي-شحادة الخوري -البشير بن سلامة-عبد اللطيف عب- نبيلة الرزاز )

صَلَبَ يَصْلُبُ صَلْبًا:- تِ الحُمَّى: اشتدَّتْ وطالت؛ صلبته الشمس/ صلبه الحَرُّ. - اللَّحمَ: شواهَ واستخرج دسمه. - الجانيَ: علَّقه ممدودَ اليدين مشدودَ الرِّجْلين.

2.الوسيط (مجمع اللغة العربية بجمهورية مصر العربية)

صَلَبَ - [ص ل ب) . صَلَبْتُ، أَصْلِبُ، اِصْلِبْ (أَصْلُبُ، اُصْلُبْ) ، مص. صَلْبٌ."صَلَبَهُ عَلَى لَوْحٍ": شَدَّهُ، أَيْ أَوْثَقَ يَدَيْهِ مَمْدُودَتَيْنِ وَرِجْلَيْهِ مَشْدُودَتَيْنِ

3.لسان العرب (لابن منظور محمد بن مُكرَّم بن عليّ بن أحمد بن حبقة الأنصاري الإفريقي)

صلب: جعله مصلوباً

المصلوب: المعلَّق على الصليب

و لكن شبه لهم أما قوله تعالى (و لكن شبه لهم) فوردت فيه عدة تفسيرات. و أستشهد هنا بأحد التفسيرات المهمة لهذه الآية الكريمة و هو ما أورده ابن حزم في كتابه (الفصل في الملل و الأهواء و النحل) حيث يقول رحمه الله: (( إنما عنى بذلك تعالى أن أولئك الفسّاق الذين دبروا هذا الباطل وتواطئوا عليه أنهم كذبة، وهم شبّهوا على من قلّدهم وكذبوا عليهم. فأخبروهم أنهم صلبوه و قتلوه و هم كاذبون في ذلك. عالمون أنهم كذبة. - الفصل. الجزء الأول ص 76 ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت