فهرس الكتاب
(( قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى ) )- سورة طه 71
هدد فرعون السحرة الذين أسلموا بتقطيع الأعضاء من خلاف و من ثم تعليقهم على الصلبان ليتعفنوا هناك، و ذلك ظاهر من تهديده بالعذاب الشديد الباقي، فلا يتصور أنه كان ينوي إنزالهم عن الصليب أحياء و ينجوا بفعلتهم.
و لو قال لهم فرعون (و لأدقَن أجسادكم في جذوع النخل و لتعلمن أينا أشد عذاباً و أبقى) لفهمنا أيضاً أنه لن ينزلهم أحياء بعد تعليقهم، و إلا لما كان تهديده شديداً. و كذلك لو قال لهم (و لألقينّ أجسادكم في الصحراء ..) فإننا سنفهم من تهديده أنه سيتركهم هناك ليموتوا حراً و جوعاً و عطشاً، و هكذا.
إذاً فالفعل"صَلَبَ"في القرآن لم يأت بمعنى قتل، و لكن السياق أفاد بموت الضحية، و أنا أريد أن أقارن بين الفعل"صلب"و الفعل"جلد"حيث ألفت انتباه القاريء الكريم إلى الآيتين التاليتين:
(1) قال تعالى (( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً - سورة النور: 4 ) )لنتفكّر قليلاً في هذه العقوبة"الجلد".
الجلد هو وسيلة للعقاب الهدف منها التعذيب أو الإيلام. و لو قام أحدهم بجلد شخص ما لكنه لم يؤلمه لما استطعنا أن ننفي ان الشخص قد جُلِد. لكن سياق الآية يبيّن الغاية من جلد الذين يقذفون المحصنات و هو التعذيب و الإيلام حيث أنّ الجلد في العادة وسيلة للتعذيب.
لذلك لا يجوز للمسلمين مثلاً أن يقوموا بتخدير القاذف قبل جلده و معالجة جروحه قبل أن يصحو من التخدير. و لو فعلوا فجلدوه و هو تحت البنج أو المخدّر لما استطاع شخص أن ينفي أنهم قد جلدوه بالفعل. لكن سياق الآية يذكر وسيلة للتعذيب فلا يجوز استخدامها هنا بدون التعذيب بلا قرينة.
(2) و قال تعالى (( إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ - سورة المائدة: 34 ) ). لنتفكر قليلاً في هذه العقوبات"التصليب"و"تقطيع الأيدي و الأرجل".
التصليب في الآية هو وسيلة للعقاب الهدف منها هو القتل في النهاية. و لو قام أحدهم بدق جسد شخص على الصليب لكنه لم يقتله لما استطعنا أن ننفي أن الشخص قد صُلِّب. لكن سياق الآية يبين الغاية من تصليب المحاربين لله و رسوله و هو القتل بعد الصلب أو الصلب بعد القتل، حيث أن التصليب في العادة هو وسيلة للقتل أو التشهير و الإهانة ليعتبر الآخرون.
و كذلك الحال بالنسبة لتقطيع الأطراف من خلاف فهي وسيلة للتعذيب الشديد و إلحاق عاهة بالمعاقََب. و لو قام أحدهم بتخدير شخص و تقطيع يديه و رجليه من خلاف ثمّ إعادتها عن طريق عملية جراحية لما استطعنا أن ننفي أن الشخص قد قطّعت أطرافه من خلاف. لكن سياق الآية يبين الغاية من تقطيع الأطراف و هو التعذيب حيث أن تقطيع الأطراف من خلاف هو في العادة وسيلة للتعذيب.
و الناظر إلى الآية ( وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ) يدرك أن الآية تنفي أمرين اثنين عن المسيح عليه السلام هما القتل و الصلب و ليس"القتل و القتل"
إذاً فالفعل"صَلَبَ"يعني"علّق على الصليب"، و هذا المعنى اتفق عليه علماء اللغة و الفقهاء في القديم و الحديث، و لم يخالفه إلا الهندي ميرزا غلام أحمد القادياني و من قلده من بعده. و أنا أورد هنا معنى الفعل"صَلَبَ"في بعض المعاجم و القواميس العربية القديمة و الحديثة:
1.المحيط (تأليف أديب اللجمي-شحادة الخوري -البشير بن سلامة-عبد اللطيف عب- نبيلة الرزاز )
صَلَبَ يَصْلُبُ صَلْبًا:- تِ الحُمَّى: اشتدَّتْ وطالت؛ صلبته الشمس/ صلبه الحَرُّ. - اللَّحمَ: شواهَ واستخرج دسمه. - الجانيَ: علَّقه ممدودَ اليدين مشدودَ الرِّجْلين.
2.الوسيط (مجمع اللغة العربية بجمهورية مصر العربية)
صَلَبَ - [ص ل ب) . صَلَبْتُ، أَصْلِبُ، اِصْلِبْ (أَصْلُبُ، اُصْلُبْ) ، مص. صَلْبٌ."صَلَبَهُ عَلَى لَوْحٍ": شَدَّهُ، أَيْ أَوْثَقَ يَدَيْهِ مَمْدُودَتَيْنِ وَرِجْلَيْهِ مَشْدُودَتَيْنِ
3.لسان العرب (لابن منظور محمد بن مُكرَّم بن عليّ بن أحمد بن حبقة الأنصاري الإفريقي)
صلب: جعله مصلوباً
المصلوب: المعلَّق على الصليب
و لكن شبه لهم أما قوله تعالى (و لكن شبه لهم) فوردت فيه عدة تفسيرات. و أستشهد هنا بأحد التفسيرات المهمة لهذه الآية الكريمة و هو ما أورده ابن حزم في كتابه (الفصل في الملل و الأهواء و النحل) حيث يقول رحمه الله: (( إنما عنى بذلك تعالى أن أولئك الفسّاق الذين دبروا هذا الباطل وتواطئوا عليه أنهم كذبة، وهم شبّهوا على من قلّدهم وكذبوا عليهم. فأخبروهم أنهم صلبوه و قتلوه و هم كاذبون في ذلك. عالمون أنهم كذبة. - الفصل. الجزء الأول ص 76 ) ).