فهرس الكتاب
ثم يضرب ابن حزم مثالاً بحادثة حصلت معه شخصياً. حيث حضر هو و جمع غفير من الناس دفن المؤيد هشام بن الحكم المستنصر. فرأى هو و غيره شخصاً مكفناً في نعش. و صلى عليه ابن حزم مع الآلاف من الناس. لكن المؤيد ظهر بعد حوالي سبعة شهور حياً و بايعه الناس بعد ذلك على الخلافة.
و يضيف ابن حزم في شرح جملة (( شبه لهم ) )قائلاً: (( إنما هو إخبار عن الذين يقولون بتقليد أسلافهم من النصارى و اليهود: أنه عليه السلام قتل و صلب. فهؤلاء شبه لهم القول. أي أدخلوا في شبهة منه. و كان المشبهون لهم شيوخ السوء في ذلك الوقت و شرَطهم المدعون لهم أنهم قتلوه و صلبوه و هم يعلمون أنه لم يكن ذلك. و إنما أخذوا من أمكنهم فقتلوه و صلبوه في استتار و منع من حضور الناس. ثم أنزلوه و دفنوه تمويهاً على العامة الذين شبه لهم الخبر- الفصل. الجزء الأول ص 77 ) ).
و هناك تفسيرات عديدة لمسألة التشبيه على الناس في مسألة الصلب. و نلخص التفسيرات التي تستحق الدراسة و لا تعارض القرآن الكريم بما يلي:
(1) لم يصلب اليهود أحداً لكنهم ادعو ذلك ليشبهوا على من قلدهم و يكذبوا عليهم بعد أن نجى الله المسيح عليه السلام من مكرهم.
و يقوي هذا الإحتمال ما نقله إنجيل يوحنا بأن يسوع تحدى اليهود بأنهم سيطلبونه ولا يجدونه (( فقال لهم يسوع انا معكم زمانا يسيرا بعد ثم امضي الى الذي ارسلني .ستطلبونني ولا تجدونني وحيث اكون انا لا تقدرون انتم ان تأتوا - يوحنا 7/34-35 ) ).
و نتساءل الآن: ماذا لو عرف اليهود بأنه عليه السلام قد مات و دفن أو اختفت جثته قبل أن يقبضوا عليه؟
لا بد بأنهم سيتبجحون بأنهم هم الذين قتلوه بل بأنهم قد صلبوه ليلعنوه.
(2) صلب اليهود واحدا من الناس و ادعوا أنه هو المسيح بن مريم عليه السلام ليشبهوا الأمر على الناس بعد أن نجى الله نبيه عليه السلام. و هذا التفسير هو ما ذهب إليه ابن حزم و غيره.
و ذهب قريباً من هذا الإستنتاج النصراني ملمن في كتابه"تاريخ الديانة النصرانية"حيث يقول: (( إن تنفيذ الحكم كان وقت الغلس، وإسدال ثوب الظلام، فيستنتج من ذلك إمكان استبدال المسيح بأحد المجرمين الذين كانوا في سجون القدس منتظرين تنفيذ حكم القتل عليهم كما اعتقد بعض الطوائف، وصدقهم القرآن ) ).
(3) صلب اليهود أحد تلاميذ المسيح عليه السلام الذين افتدوا نبيهم بأنفسهم. فادعى التلميذ بأنه هو المسيح عليه السلام عندما طلبه الجنود. فشبه الأمر لليهود بأن ظنوا أنهم صلبوا المسيح عليه السلام و قتلوه. و ذهب إلى هذا التفسير الصحابي عبد الله بن عباس رضي الله عنه. و اختاره بعض المفسرين أمثال ابن كثير و غيره. و يقوي هذا التفسير ما أوردته الأناجيل نفسها عن الذين جاءوا للقبض على المسيح عليه السلام. حيث كان من الواضح أنهم لم يكونوا على علم بشكله فقد احتاجوا لعلامة من يهوذا الذي أسلمه ليعلموا من هو الشخص المطلوب. و العلامة هي أن يقبّل يهوذا اليسوع. يقول إنجيل مرقس مثلاً: (( وكان مسلمه قد اعطاهم علامة قائلا الذي اقبّله هو هو. أمسكوه وامضوا به بحرص. فجاء للوقت وتقدم اليه قائلا يا سيدي يا سيدي .وقبّله . فألقوا ايديهم عليه وامسكوه - إنجيل مرقس 14/44-45-46 ) ). أما إنجيل يوحنا فيوضح بجلاء أن الشخص المقبوض عليه هو من ادعى أنه المسيح عليه السلام حيث لم يعلم الجنود و لا خدام اليهود شكله. يقول يوحنا: (( فأخذ يهوذا الجند وخداما من عند رؤساء الكهنة والفريسيين وجاء الى هناك بمشاعل ومصابيح وسلاح . فخرج يسوع وهو عالم بكل ما يأتي عليه وقال لهم من تطلبون . اجابوه يسوع الناصري .قال لهم يسوع انا هو .وكان يهوذا مسلمه ايضا واقفا معهم - إنجيل يوحنا - 18/3-4-5 ) )
قال بعض المفسرين بأن المصلوب هو جرجس و قال آخرون بأنه شمعون. و قال البعض بأن الله جعل اليهود يرونه على هيئة المسيح عليه السلام. و يؤيد هذه القصة ما ورد في إنجيل توما. و النسخ المكتشفة من إنجيل توما تعود إلى حوالي العام 150م كما قدر بعض خبراء المخطوطات. و يرجع المحقق كويستر هذا الإنجيل إلى منتصف القرن الأول الميلادي، وأرجعه المحقق كيسيبل إلى العام 140م. و يذكر إنجيل توما بعد أن وضّح بأن بديلاً عن المسيح عليه السلام هو من صُلب - و الكلام على لسان سيدنا عيسى عليه السلام كما يرويه توما: (( لم أخضع لهم كما أرادوا . و أنا لم أمت في الواقع بل في الظاهر لكيلا يلحقوا بي العار. لأن موتي الذي ظنوا أنهم أوقعوه بي إنما أوقعوه بأنفسهم في خطئهم و العمى. إذ مسمروا رجلهم على موتهم . لقد كان شخصاً آخر الذي شرب المر و الخل. لم يكن إياي. ضربوني بالقصب ! لقد كان شخصاً آخر هو شمعون. الذي حمل الصليب على كتفه. لقد كان شخصاً آخرالذي وضعوا على رأسه التاج و الشوك. و أنا كنت أضحك من جهلهم - كتاب The Holy Blood and The Holy G r ail ) ).