فهرس الكتاب

الصفحة 15887 من 27364

ولما كانت القوميات قد اتجهت اساسا إلي تحقيق"المصالح القومية"بصرف النظر تماما عن"المصالح الإنسانية".. وإذا كانت المصالح القومية مصالح مادية بالدرجة الأولي .. فنستطيع أن نتصور الحال حين تدخل القوميات بصراعاتها المادية في دوامة الثورة الصناعية ، فإن هذه الصراعات لابد أن تتضاعف عدة مرات ، ولا بد أن تأخذ صورة الصراع المادي البحت ..

وكانت"الفلسفة"التي قام عليها هذا الصراع - إن سميت هذه فلسفة - هي الفلسفة الرأسمالية المتذرعة بقول الداروينية":"البقاء للإصلاح" (1) ولما كانت كل قومية تزعم لنفسها أنها هي الأجدر بالبقاء ، وتريد أن تثبت ذلك بالفعل ، فلنا أن نتصور كيف يعنف الصراع بين القوميات المختلفة ويصل إلي حد الوحشية ! وتموت في دوامة الصراع الوحشي كل المعاني"الإنسانية"ويسمي هذا"تقدما"حسب التفسير الدارويني للحياة ، والتفسير المادي للتاريخ !"

ومع الثورة الصناعية الرأسمالية المتلبسة في ذات الوقت بالقومية ، اتسعت رقعة"الاستعمار:"

لقد كان الاستعمال الأوربي في منشئة دفعة صليبية بحتة

فحين سقطت الاندلس في يد المسيحيين أصدر الباب قرارا بتقسيم أرض"الكفار"- أي المسلمين !- إلي دولتين هما أسبانيا والبرتغال (2) وقامت محاكم التفتيش بمجهود وحشي ضخم للقضاء علي بقايا الإسلام في الأندلس ، فاستخدمت أبشع وسائل التعذيب التي عفها التاريخ لمطاردة الإسلام في كل شبر من أرض ما صار يسمي أسبانيا والبرتغال ، حتي صارت الهينمة في جوف الليل مبررا لدخول رجال التفتيش أي بيت تسع فيه ، لأنها مظنة قراءة القرآن سرا في هداه الليل ، وصار وجود حمام في أي بيت يدخل رجال التفتيش مبررا لصب أفظع ألوان التعذيب علي اهله ،لأن الحمامات داخل البيوت كانت في ذلك الوقت خصيصة من خصائص المسلمين ! ومع ذلك كله فقداستغرق الأمر مائتي عام حتي أفلح التعذيب الوحشي في تنصير الأندلس كلها ، ومحو كل أثر الإسلام فيها .

ولما تم"رسميا"إزالة الحكم الإسلامي - أي منذ 1492 م - شجع الباب النصاري علي متابعة المسلمين خارج الأندلس ، في حرب صليبية جديدة ، بغية القضاء علي الإسلام في كل الأرض . ولكن وجود الدولة العثمانية القوية في الشرق ، التي أزلت الدولة البيزنطية باستيلائها علي القسطنطينية عام 1453م ، لم يكن يتيح للحرب الصليبية الجديدة أن تتجه إلي الشرق نحو بيت المقدس كما اتجهت الحروب الصليبية الأولي الفاشلة ، فحاولت الدور أن حول العالم الإسلامي من جهة الغرب ، وكانت البرتغال أول دولة استجابت للتحريض البابوي وسارعت إلي تنفيذ .

في عام 1497 قام فاسكودادجاما برحلته الشهيرة التي كشف فيها للأوربيين طريق رأس الرجاء الصالح (3) وبمعاونة البحار العربي المسلم"ابن ماجد"وعلي هذي الخرائط الإسلامية للشواطئ الأفريقية والآسيوية (4) ، دار فاسكوداجاما حول افريقيا متجها إلي الشرق حتي وصل إلي جزر الهند الشرقية ، وهنا كقال قولته الصليبية المشهورة ، التي تقطع بأن رحلته كما قيل عنها ، فقد قال عند وصله إلي تلك الجزر"الآن طوقن عنق الإسلام ، ولم يبق إلا جذب الحبل ليختنق فيموت !"

وبعد ذلك تتابعت:"الكشوف""وتتابعت"الرحلات العلمية"التي مهدت للاستعمار الصليبي للعالم الإسلامي .."

ولما برزت القوميات في أوربا تلبست بالروح الصليبية تجاه المسلمين ن فأصبح التنافس يتمثل - من بين ما يتمثل - في التنافس علي استعمار العالم الإسلامي ، ومحاولة تنصير أهله عن طريق الحملات التبشيرية التي صاحبت الأستعمار الصليبي دائما ، ممهدة له أحيانا ، ومستندة إلي وجوده أحيانا ، ولكنها مصاحبة له علي الدوام !

وحتي حين أصبحت تلك القوميات"علمانية"تماما لم يؤثر ذلك في صليبية الحملات الاستعمارية ولا قللت مقدار ذرة نم النشاط التبشيري المصاحب للاستعمار الصليبي .

(1) تفهم هذه العبارة خطأ علي أن"الأصلح"هو الأصلح خلقيا أو معنويا أو علي أساس أية قم رفيعة ، والتعبير في لغته الأصلية لا يحمل شيئا من هذه المعاني فكلمة Fittest معناها: الأنسب"أي الذي يحمل المواصفات التي تجعله يتفوق في الصراع الدائر بين الكائنات وبين البينة ، لأن هذه المواصفات هي الأنسب للظروف البينية المحيطة فحين يحدث الجفاف مثلا يكون الكائن"الأنسب"هو النبات أو الحيوان الذي يحتمل العطش أكثر من غيره .. ولكنها حملت معني"الأصلح"من إيحاءات الداروينية العامة ."

(2) كلمة البرتغال: برتقال هي كلمة عربية فقد كان المسلمون يسمون هذه المنطقة أرض البرتقال !

(3) كان هذا الطريق معروفا للمسلمين قبل ذلك بعدة قرون !

(4) كان لدي المسلمين خرائط دقيقة للشواطئ الأسيوية والأفريقية يستخدمونها في رحلاتهم التجارية من شوائط الصين شرقا إلي بريطانيا غربا وشمالا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت