فهرس الكتاب

الصفحة 15888 من 27364

وقد يبدو ذلك تناقضا لأول وهلة .. فكيف تهمل أوروبا"الدين"في حياتها الخاصة ، ثم تتذكره في الهجوم علي العالم الإسلامي ؟ الواقع أن الذي تذكرته أوروبا - ولا تزال إلي هذه اللحظة تتذكره - تجاه العالم الإسلامي ليس هو"الروح الدينية"فقد انسلخت أوربا من دينها تماما .. إنما هو"الروح الصليبية"التي كانت ذات يوم متلبسة بالدين ، ولكنها ظلت علي ضراوتها حتي بعد أن فقدت منبعها الأصلى ، وصارت شيئا قائما بذلته ، لا علاقة له بتدين أصحابه .. إنما هى كراهية وحقد ومقت للإسلام والمسلمين ، لا لحساب النصرانية كدين ، ولكن لحساب الأوروبيين بوصفهم أعداء للمسلمين .

يقول ليوبلدفايس (محمد أسد) فى كتابه"الإسلام على مفترق الطرق":

إن الاصطدام العنيف الأول بين أوروبة المتحدة من جانب وبين الإسلام من جانب آخر - أى الحروب الصليبية - يتفق مع بزوغ فجر المدنية الأوروبية . في ذلك الحين أخذت هذه المدينة - وكانت لا تزال على اتصال بالكنيسة - تشق سبيلها بعد تلك القرون المظلمة التى تبعت انحلال رومية . حينذاك بدأت آداب أوروبة ربيعا منورا جديدا . وكانت الفنون الجميلة قد بدأت بالاستيقاظ ببطء من سبات خلفته هجرات الغزو التى قام بها القوط والهون والآفاريون . ولقد استطاعت أوروبا أن تتملص من تلك الأحوال الخشنة في أوائل القرون الوسطى ، ثم اكتسبت وعيا ثقافيا جديدا ، وعن طريق ذلك الوعى كسبت أيضا حسا مرهفا . ولما كانت أوروبة في وسط هذا المأزق الحرج حملتها الحروب الصليبية على ذلك اللقاء العدائى بالعالم الإسلامى .. إن الحروب الصليبية هى التى عينت في المقام الأول والمقام الأهم موقف أوروبة من الإسلام لبضعة قرون تتلو ، في العهد الذى كانت فيه الخصائص الثقافية الخاصة قد أخذت تعرض نفسها" (1) "، وكانت لا تزال في طور تشكلها . والشعوب كالأفراد ، إذا اعتبرنا أن المؤثرات العنيفة التى تحدث في أوائل الطفولة تظل مستمرا ظاهرا أو باطنا مدى الحياة التالية ، وتظل تلك المؤثرات محفورة حفرا عميقا ، حتى إنه لا يمكن للتجارب العقلية في الدور المتأخر من الحياة ، والمتسم بالتفكير أكثر من اتسامه بالعاطفة التى تمحوها إلا بصعوبة ، ثم يندر أن تزول آثارها تماما . وهكذا كان شأن الحروب الصليبية ، فإنها أحدثت أثرا من أعمق الآثار وأبقاها في نفسية الشعب الأوروبى . وإن الحمية الجاهلية العامة التى أثارتها تلك الحروب في زمنها لا يمكن أن تقارن بشئ خبرته أوروبة من قبل ولا اتفق لها من بعد ..

"ومع هذا كله فإن أوروبة قد استفادت كثيرا من هذا النزاع . إن"النهضة"أو إحياء الفنون والعلوم الأوروبية باستمدادها الواسع من المصادر الإسلامية والعربية على الأخص ، كانت تعزى في الأكثر إلى الاتصال المادى بين الشرق والغرب . لقد استفادت أوروبة أكثر مما استفاد العالم الإسلامى ، ولكنها لم تعترف بهذا الجميل: وذلك بأن تنقص من بغضائها للإسلام ، بل كان الأمر على العكس ، فإن تلك البغضاء قد نمت مع تقدم الزمن ، ثم استحالت عادة . ولقد كانت هذه البغضاء تغمر الشعور الشعبى كلما ذكرت كلمة"مسلم"ولقد دخلت في الأمثال السائرة عندهم حتى نزلت في قلب كل أوروبى ، رجلا كان أم امرأة . وأغرب من هذا كله أنها ظلت حية بعد جميع أدوار التبدل الثقافى . ثم جاء عهد الإصلاح الدينى حينما انقسمت أوروبة شيعا ، ووقفت كل شيعة مدججة بسلاحها في وجه كل شيعة أخرى ، ولكن العداء للإسلام كان عاما فيها كلها . وبعدئذ جاء زمن أخذ الشعور الدينى فيه يخبو ولكن العداء للإسلام استمر ."

"ولقد يتساءل بعضهم فيقول: كيف يتفق أن نفورا قديما مثل هذا - وقد كان دينيا في أساسه وممكنا في زمانه بسبب السيطرة الروحية للكنيسة النصرانية - يستمر في أوربة في زمن ليس الشعور الدينى فيه إلا قضية من قضايا الماضى !"

"ليست مثل هذه المعضلات موضع استغراب أبدا ، فإنه من المشهور في علم النفس أن الإنسان قد يفقد جميع الاعتقادات الدينية التى تلقنها أثناء طفولته ، بينما تظل بعض الخرافات الخاصة - والتى كانت من قبل تدور حول هذه الاعتقادات المهجورة - في قوتها تتحدى كل تعليل عقلى في جميع أدوار ذلك الإنسان ، وهذه حال الأوروبيين مع الإسلام . فعلى الرغم من أن الشعور الدينى الذى كان السبب في النفور من الإسلام قد أخلى مكانه في هذه الأثناء لاستشراف على الحياة أكثر مادية ، فإن النفور القديم نفسه قد بقى عنصرا من الوعى الباطنى في عقول الأوروبيين . وأما درجة هذا النفور فإنها تختلف بلا شك بين شخص وآخر ، ولكن وجوده لا ريب فيه . إن روح الحرب الصليبية - في شكل مصغر على كل حال - ما زال يتسكع فوق أوروبة ، ولا تزال مدنيتها تقف من العالم الإسلامى موقفا يحمل آثارا واضحة من ذلك الشبح المستميت في القتال"" (2) ".

ويقول"ولفرد كانتول سميث"المستشرق الكندى المعاصر في كتاب"الإسلام في التاريخ الحديث Islam in Mode r n Histo r y:"

(1) ""يقصد: أخذت تظهر .

(2) ""الإسلام على مفترق الطرق ، ترجمة عمر فروخ ، مقتطفات من ص 52 - 59 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت