فهرس الكتاب
"إلى أن قام كارل ماركس وقامت الشيوعية ، كان النبى (يقصد الإسلام) هو التحدى الحقيقى الوحيد للحضارة الغربية الذى واجهته في تاريخها كله ، وإنه لمن المهم أن نتذكر كم كان هذا التحدى حقيقيا ، وكم كان يبدو في يوم من الأيام تهديدا خطيرا حقا ."
"لقد كان الهجوم مباشرا ، في كلا الميدانين الحربى والعقيدى ، وكان قويا جدا . ولا شك أنه بالنسبة للمسلمين يبدو أنه الحق والصواب ، والأمر الطبيعى المحتوم ، أن يمتد الإسلام كما امتد . ولكن الأمر كان مختلفا بالنسبة لشخص الواقع خارج نطاق الإسلام ، الذى لم يكن يرى فيه شيئا من ذلك كله ، والذى كان التوسع الإسلامى يقع على حسابه . وقد كان هذا التوسع إلى حد كبير على حساب الغرب . فقد فقدت المسيحية دفعة واحدة"أجمل مقاطعات الإمبراطورية الرومانية"لتتسلمها منها القوة الجديدة ، وكانت في خطر من ضياع الإمبراطورية بكاملها . وعلى الرغم من أن القسطنطينية لم تقع - تماما - في يد الجيوش العربية كما وقعت مصر وسوريا ، فقد استمر الضغط عليها فترة طويلة . وفى موجة التوسع الإسلامى الثانية وقعت القسطنطينية بالفعل سنة 1453 ، وفى قلب أوروبا المفزعة ذاتها أحاط الحصار بفينا سنة 1529 بينما ظل الزحف الذى بدأ عنيدا لا يلين ، مستمرا في طريقه . وحدث ذلك مرة أخرى في وقت قريب لم يتطاول عليه العهد في سنة 1683 ، وإن وقوع تشيكوسلوفاكيا في قبضة الشيوعية عام 1948 لم يكن له قط في العصر الحديث ذلك الفزع في نفوس الغرب المتهيب ، كما كان لذلك الزحف المستمر قرنا بعد قرن ، من تلك القوة الضخمة المهددة التى كان لا تكف ولا تهدأ ويتكرر انتصارها مرة بعد مرة ."
"وكما هو الأمر مع الشيوعية كذلك كان التهديد والانتصارات (الإسلامية) قائمين في عالم القيم والأفكار أيضا . فقد كان الهجوم الإسلامى موجها إلى عالم النظريات كما هو موجه إلى عالم الواقع .. وقد عملت العقيدة الجديدة بإصرار على إنكار المبدأ الرئيسى للعقيدة المسيحية ، التى كانت بالنسبة لأوروبا العقيدة السامية التى أخذت في بطء تبنى حولها حضارتها .. وكان التهديد الإسلامى موجها بقوة وعنف وكان ناجحا ومكتسحا في نصف العالم المسيحى تقريبا .. والإسلام هو القوة الإيجابية الوحيدة التى انتزعت من بين المسيحيين أناسا دخلوا في الدين الجديد وآمنوا به .. بعشرات الملايين . وهو القوة الوحيدة التى أعلنت أن العقيدة المسيحية ليست مزيفة فحسب ، بل إنها تدعو إلى التقزز والنفور ."
"وإنه لمن المشكوك فيه أن يكون الغربيون - حتى أولئك الذين لا يدركون إطلاقا أنهم اشتبكوا في مثل هذه الأمور - قد تغلبوا قط على آثار ذلك الصراع الرئيسى المتطاول الأمد .. أو على آثار الحروب الصليبية التى استغرقت قرنين من الحرب"العقيدية"العدوانية المريرة"" (1) ".
وفى هذا وذاك تفسير لهذه الظاهرة التى تبدو غريبة لأول وهلة ، وهى أن أوروبا قد أهملت الدين في حياتها ، ولكنها لم تنس الروح الصليبية التى أججتها ظروف الحرب والصراع في نفوسهم من قديم .
وحين قامت الثورة الصناعية اتسم"الاستعمار"عامة بالصبغة الاقتصادية لأنه كان بحثا عن الموارد الرخيصة من جهة ، والأسواق المضمونة لتوزيع فائض الإنتاج من جهة أخرى .. وشمل الاستعمار كل أرض مستضعفة سواء كانت أرضا إسلامية أو غير إسلامية . ومع ذلك لم ينس الصليبيون صليبيتهم إزاء المسلمين . فحيثما كانت الأرض المستعمرة غير إسلامية اكتفى الاستعمار بنهب الخيرات وتوزيع فائض الإنتاج .. أما حيث تكون الأرض إسلامية فالعناية الأولى موجهة لمحو الإسلام عن طريق التبشير والغزو الفكرى ومناهج التعليم التى تفرض على المسلمين ووسائل الإعلام التى توجه إليهم . ثم يأتى بعد ذلك نهب الخيرات وتوزيع فائض الإنتاج . وخير مثال لذلك استعمار البريطانيين للهند . فقد كان أول عمل لهم هناك هو إزالة الحكم الإسلامى في الهند . ثم تركوا الهنود لمعتقداتهم وعاداتهم وتقاليدهم لم يتعرضوا لهم بشئ ، ووجهت الحرب الضارية ضد المسلمين وحدهم ، فصودرت الأوقاف المرصودة للتعليم الإسلامى فجفت منابعه ، وحورب المسلمون في الوظائف العامة وأعطيت للوثنيين الهنود ، ووجه الغزو الفكرى ضد المسلمين لإخراجهم من حقبة الإسلام !
وأيا ما كان الأمر فقد ارتبطت القوميات في أوروبا بالاستعمار بكل سفالاته ، وكل بشاعاته ، ونشبت الحروب بين القوميات المختلفة أبشع ما تكون .. وصارت نهاية الأمر حروبا عالمية ، تشترك فيها كل القوميات ، ويصلاها العالم كله بذنب وبغير ذنب .
فى الحرب الكبرى الأولى التى استمرت من 1914 - 1918م قتل عشرة ملايين شاب ، غير الذين شوهوا أو أصيبوا إصابات تقعدهم عن العمل ، واستخدمت الغازات السامة والقنابل المحرقة وغيرها من الوسائل الإجرامية ، التى لم تجد أوروبا في ضميرها حرجا من استخدامها ، لأن الغاية تبرر الوسيلة ، ولأن المصالح القومية مقدمة على كل اعتبار !
(1) ""ص 109 - 110 من الأصل الإنجليزى الطبعة الأولى سنة 1957م .