فهرس الكتاب
صحيح أنه كان هناك تكتل بين مجموعة من القوميات سمت نفسها"الحلفاء"لأنها - في لحظة من اللحظات - وجدت أن مصالحها القومية - رغم اختلافها فيما بينها وتنافسها - تقتضى التجمع لتحقيق هدف مشترك .. وكان الهدف في الحرب الأولى مزدوجا: القضاء على الدولة العثمانية والخلافة الإسلامية - لأمر يراد" (1) "- والقضاء على القومية الألمانية التى تطالب بأن يكون لها مستعمرات كما لبقية القوميات مستعمرات .. !!
وربما يظن الإنسان لأول وهلة أن أوروبا قد فطنت إلى حماقة التجمع القومى وما يؤدى إليه من فساد في الأرض وتقطيع للروابط الإنسانية فأنشأت تجمعا جديدا على أساس المبادئ لا على أساس القوميات .. أو هكذا قالوا هم في دعاياتهم ! ولكن الحقيقة أن التجمع الجديد كان هو أيضا تجمع مصالح يتستر وراء المبادئ ، ويريد لمجموعة من الشعوب ، أو مجموعة من القوميات على الأصح ، أن يكون لها السيطرة على العالم ، وحدها من دون العالمين .. لأمر يراد !
وتم - على أى حال - لهذا التجمع ما أريد له من السيطرة في الأرض ما يقرب من عشرين عاما ، حتى قامت الحرب العظمى الثانية ، التى استمرت من عام 1939 إلى عام 1945م ، وقتل فيها أربعون مليونا من الشباب ، غير المدن التى دمرت ، والمدنيين الذين قتلوا في الغارات الجوية .. وغير قنبلتى هيروشيما ونجازاكى الذريتين ، اللتين قضتا على الوجود الحى كله من نبات وحيوان وإنسان في مساحة واسعة من الأرض ، وما تزال تولد أجنة مشوهة من أثر الإشعاع الذرى السام الذى انتشر من القنبلتين في أماكن بعيدة عن مكان الانفجار ، بعد ما يقرب من أربعين عاما من الحدث البربرى الفظيع ، الذى سمح به الضمير الأمريكى بلا تحرج ولا تأثم تأمينا"لمصالح"ذلك التجمع الشرير ! وما كان التجمع الآخر الذى انهزم بأقل شرا ولا خبثا ولا انعدام إنسانية عن التجمع الذى انتصر ! فلو أن هتلر سبق إلى استكمال القنبلة الذرية قبل أن يداهمه"الحلفاء"ويسرقوا"العلماء"الذين يعملون في صنعها ، لكان قمينا أن يفعل بها مثل ما فعلوا أو أشد !
وبرز من الحرب الثانية"معسكران"مختلفان ، هما المعسكر الشيوعى والمعسكر الرأسمالى ، يبدو في ظاهر الأمر أنهما تجمعان قائمان على"مبادئ"مختلفة .. خاصة وأن الشيوعية على الأقل تحمل مبادئ محددة ، وتحمل دعوة عالمية لنشر هذه المبادئ في الأرض .
وقد مر بنا الرأى في هذا الاختلاف وهل هو في الجوهر الحقيقى أم في القشرة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية .. ولكن هذا ليس معرض حديثنا هنا .. إنما نتكلم عن"المبادئ الإنسانية"التى تقوم عليها هذه المجتمعات أو تزعم أنها تقوم عليها !
تعلن الشيوعية - دائما - أن الدين لا يجوز أن يكون أساسا للتجمع ! إنما هو الآثار البالية التى أحدثتها عصور الرق والإقطاع والرأسمالية .. وأن تصحيح الأوضاع الذى تحدثه الشيوعية يقضى على تلك الآثار البالية ، ويقيم مجتمعا إنسانيا"حرا"لا تقوم فيه التفرقة على أساس الدين .. وطالما أبدت رأيها صريحا في استنكار رغبة المسلمين في شبه القارة الهندية في إنشاء دولة"إسلامية"وقالت إن هذه اتجاهات رجعية لا ينبغى تشجيعها .
ثم قامت الدولة اليهودية عام 1948م ، على أساس الدين ، فهى من منشئها ، أو من منشأ الدعاية لها وطن"لليهود"ودولة"لليهود"وتجمع"لليهود".
وفى منتصف الليل ، بتوقيت المنطقة التى أقيمت فيها الدولة اليهودية ، أعلنت أمريكا اعترافها بالدولة ، وبعد عشر دقائق اعترفت روسيا ! روسيا القائمة على أساس"المبادئ"التى تنكر قيام أى تجمع على أساس الدين !
ومنذ تلك اللحظة إلى هذه اللحظة ، تجتمع أمريكا الرأسمالية الإمبريالية التوسعية الرجعية ، وروسيا الشيوعية العقائدية التقدمية على الوقوف في صف إسرائيل وعدوانها المستمر الذى لم ينقطع ، ضد العرب والمسلمين !
ثم تختصم روسيا وأمريكا في كل شئ عدا ذلك ، ففى أى شئ تختصمان ؟!
على إقامة الحق والعدل في الأرض ؟!
على تقرير حرية الشعوب في اختيار مصيرها ؟!
كذلك تقول الدعاية المستمرة من الجانبين .. ولكن ما حقيقة الواقع ؟
ما الذى يحدث حين تمس المصالح القومية لأمريكا أو لروسيا .. أو يقف حائل دون"التوسع"و"السيطرة"و"السلطان"؟!
إنهما تختصمان على توزيع"مناطق النفوذ"فى العالم .. أى تختصمان على توزيع"المستضعفين في الأرض"هل يكونون في هذا المعسكر أم ذاك المعسكر ، وكلتاهما لا تسمح لأحد من"الخاضعين لنفوذها"أن يتحرر ويقرر لنفسه مصيره .
كيف فعلت روسيا في المجر حين أرادت الأخيرة أن تختار مصيرها بنفسها وترجع عن الشيوعية عام 1956م ؟ كيف هدمت الدبابات الروسية البيوت على أصحابها تأديبا لهم على تجرؤهم على هذا العمل الشنيع الذى ارتكبوه ؟
(1) ""سيأتى بيان هذا الأمر في سياق الحديث .