فهرس الكتاب

الصفحة 15891 من 27364

وكيف فعلت حين أراد العمل في بولندا ، الذين تزعم الشيوعية أنها قمت لتحريرهم ورد الحقوق المغتصبة إليهم .. كيف فعلت حين أراد هؤلاء العمال أن يعلنوا أن الشيوعية لم تحقق مطالبهم ، ولم ترد إليهم إنسانيتهم الضائعة ، وأنهم في ظلها مقهورون مظلومون مسحوقون ،وأن لهم"مطالب"يريدون تحقيقها في مقدمتها ممارسة الحرية ، والمشاركة في إدارة دفة الأمور ؟!

أما أمريكا ودورها الاستعمارى ، ودور أجهزتها الخفية في نشر الفساد في الأرض عن طريق الانقلابات العسكرية ، التى يختار أصحابها من غلاظ الأكباد قساة القلوب المرضى بجنون العظمة المتعطشين إلى السلطة لينفذوا لها مخططاتها في إذلال الشعوب وجرها إلى العبودية .. فأمر غنى عن البيان . وإن كان الذى يغيب عن أذهان كثير من الناس مداراة كل من المعسكرين على عميل المعسكر الآخر ومده بالمساعدة حين يكون دوره هو تذبيح المسلمين والقضاء على حركات البعث الإسلامى !

وتلك هى المجتمعات التى قامت في العالم على أساس قومى .. وإن تسترت أحيانا وراء مختلف العناوين !

إلى هنا كنا نتحدث عن القوميات والوطنيات في أوروبا ، كيف نشأت وكيف تطورت خلال التاريخ الحديث والمعاصر ، وما كان من آثارها الشريرة في حياة العالم كله ، حين صارت"المصالح القومية"هى الأصل المعترف به في حياة الناس ، على حساب القيم والمبادئ وكل ومعنى من معانى"الإنسانية"عرفته البشرية في يوم من الأيام ..

ولكن هناك جانبا من الموضوع ما زال في حاجة إلى بيان .. ذلك هو"تصدير"دعاوى القومية والوطنية إلى الشرق الإسلامى !

ولن نتحدث عنا عن"العدوى"التى جاءت إلى المعالم الإسلامى من أوروبا حين ضعف المسلمون وتخلوا عن مقومات حياتهم الأصيلة ، وانبهرا بما عند الغرب ، وتابعوه في انحرافاته ظنا منهم أن هذا هو الطريق الذى يخلصهم من ضعفهم وتخلفهم .. فذلك مبحث آخر نعالجه في غير هذا الكتاب" (1) "ولكن نتحدث عن التصدير المتعمد لهذه التيارات من أوروبا إلى العالم الإسلامى .

حين وقع لويس التاسع في الأسر في الحروب الصليبية الأولى وسجن في سجن المنصورة أيام الملك الصالح نجم الدين أيوب ، جعل يتفكر في سجنه ويتدبر .. فلما فك أسره وعاد إلى قومه حدثهم بما هداه إليه فكره ، فقال لهم: إن التغلب على المسلمين بالسلاح وحده أمر غير ممكن .. وإن إلى أوروبا إذا أرادت التغلب على المسلمين أن تحاربهم من داخل نفوسهم ، وأن تقتلع العقيدة الإسلامية من قلوبهم .. فهذا هو الطريق !

ووعى الصليبيون المحدثون نصيحة الصليبى القديم حين بدأوا جولتهم الصليبية الثانية ضد العالم الإسلامى . فجاءوا - لا بالسلاح وحده كما جاؤوا في المرة الأولى - ولكن بما هو أخطر منه كثيرا وأشد فاعلية ، ذلك هو"الغزو الفكرى"الذى يهدف إلى اقتلاع العقيدة من قلوب المسلمين ، وتحويلهم عن صراط اله المستقيم إلى سبل الشيطان:

{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [سورة الأنعام 6/153]

يقول شاتلييه في مقدمة كتاب"الغارة على العالم الإسلامى" (تعريب محب الدين الخطيب) :

"ولا شك في أن إرساليات التبشير من بروتستانتية وكاثوليكية تعجز عن أن تزحزح العقيدة الإسلامية من نفوس منتحليها ولا يتم ذلك إلا ببث الأفكار التى تتسرب مع اللغات الأوروبية . فبنشرها اللغات الإنجليزية والألمانية والهولندية والفرنسية يحتك الإسلام بصحف أوروبا ، وتتمهد السبيل لتقدم إسلامى مادى ، وتقضى إرساليات التبشير لبانتها من هدم الفكرة الدينية الإسلامية التى لم تحفظ كيانها وقوتها إلا بعزلتها وانفرادها".

وقد كانت دعاوى القومية والوطنية المصدرة عن عمد إلى العالم الإسلامى ، من بين وسائل الغزو الفكرى الذى استخدمه الصليبيون المحدثون فى"غزو العالم الإسلامى"كما سمى"شاتلييه"كتابه السالف الذكر" (2) ".

والهدف من ذلك واضح ولا شك .. فطالما كان المسلمون"مسلمين"فسيصعب على الغزاة ابتلاعهم مهما كانوا عليه من الضعف والتخلف . ذلك أن العقيدة الإسلامية عقيدة جهاد . وقد ذاق الفرنسيون في الشمال الأفريقى وذاق الإنجليز في الهند وغيرها من أقطار أفريقيا وآسيا من عقيدة الجهاد هذه ما لا يزال عالقا بنفوسهم برغم كل الضعف والتخلف الذى كان عليه المسلمون . فاقتلاع هذه العقيدة واستبدال غيرها بها أمر ذو أهمية بالغة ، وساء من وجهة النظر لصليبية أو من وجهة النظر الاستعمارية البحتة ، فالمسلمون لا يقبلون الاستعمار ولا يرضخون له طالما كانوا"مسلمين". فإذا اجتمعت وجهة النظر الصليبية ووجهة النظر الاستعمارية تجاه الإسلام - كما هو واقع الأمر - كانت الرغبة في اقتلاع هذه العقيدة أكد ، والعمل على استبدال غرها بها أعنف وأشد .

(1) ""انظر كتاب"واقعنا المعاصر".

(2) ""الكتاب في أصله الفرنسى يسمى"La Conquette du Monde Musulman"أى غزو العالم الإسلامى ، ولكن المعرب اختار له اسم"الغارة على العالم الإسلامى".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت