فهرس الكتاب
وبالفعل بذرت بذور الوطنية أولا في العالم الإسلامى . ثم جاء دور القومية بعد ذلك (لظروف سنبينها بعد قليل) فحققت أكثر من هدف في وقت واحد ..
كان الهدف الأول هو تحويل حركات الجهاد الإسلامى ضد الاستعمار الصليبى إلى حركات وطنية ، كما فعل سعد زغلول في مصر وغيره من الزعماء"الوطنيين"على اتساع العالم الإسلامى . والحركة الوطنية تفترق عن حركة الجهاد الإسلامى بادئ ذى بدء في أنها لا تنظر إلى"العدو"على أنه"صليبى مستعمر"ولكن على أنه"مستعمر"فقط .. وفرق واضح في درجة العداء وطريقة المجاهدة بين أن يكون العدو منظورا إليه على حقيقته ، وبين أن يكون مغلفا برداء الاستعمار فحسب .
والهدف الثانى هو تحويل حركات الجهاد الإسلامى إلى حركات"سياسية"عن طريق تحويلها إلى حركات وطنية .. فالعدو غير قادر على"التفاهم"مع الحركات الإسلامية: لأنه لا سبيل إلى التفاهم معها في الحقيقة إلا بإخراج ذلك العدو خارج البلاد ، ومن ثم فلا سبيل إلى استعمال"السياسة"من جانب العدو . أما الحركات الوطنية فالتفاهم معها سهل وممكن ! وعود من المستعمر بالجلاء ، ويأتى الوقت الموعود فيتذرع المستعمر بشتى المعاذير لتأجيل جلائه ، ويعطى وعودا جديدة يعتر عنها بدورها إذا جاء دورها .. والساسة"الوطنيون"يغضبون - أو يتظاهرون بالغضب لإرضاء الجماهير ! - والجماهير تثور ثورة صاخبة - لكنها فارغة - سرعان ما تنطفى بعد الاستماع إلى خطبة رنانة من الزعيم الوطنى يعد فيها بأنه لم يفرط في شبر من الأرض ، ولم يرضى بغير"الجلاء التام أو الموت الزؤام"!" (1) "وبين هذا وذاك تجرى"مفاوضات"بن السياسة والاستعمار تنتهى إلى أشياء تافهة يلعب بها الساسة على عقول الجماهير فيوهمونها أنها"مكاسب وطنية"وقد تنتهى إلى غير شئ على الإطلاق ، ومع ذلك يقول زعيم يعتبر من كبار الزعماء الوطنيين في العالم الإسلامى في العصر الحديث وهو سعد زغلول:"خسرنا المعاهدة وكسبنا صداقة الإنجليز !"ويقول"الإنجليز خصوم شرفاء معقولون"!! وهو شئ ما كان يمكن أن يحدث لو بقيت حركة الجهاد الإسلامية كما كانت في مبدئها ، ولم تتحول إلى حركة وطنية على يد الزعيم الكبير !
والهدف الثالث هو تيسير عملية"التغريب"من خلال تحويل حركة الجهاد الإسلامى إلى حركة وطنية سياسية .. فحين تقوم حركة الجهاد على أساس إسلامى يكون الباب موصدا تماما بين المجاهدين وعدوهم ، لا يأخذون شيئا من فكره ولا عقائده ولا تقاليده ولا أنماط سلوكه المنافية للإسلام . أما حين يتحول الجهاد إلى حركة وطنية سياسية فالحاجز أرق ، يسمح بالأخذ .. ومعاذير الأخذ كثيرة ، فقد قال"أستاذ الجيل"لطفى السيد: إن الإنجليز هم أولياء أمورنا في الوقت الحاضر . وليس السبيل أن نحاربهم ، بل السبيل أن نتعلم منهم ، ثم نتفاهم معهم!!" (2) "
وأى شئ تعلم المصريون من الإنجليز ؟ هل تعلموا منهم جلدهم على العمل وانضباطهم فيه ؟ أم تعلموا منهم السكر والعربدة وفساد الأخلاق ؟
إنما يتعلم الأولى"المجاهد"لأن المجاهد يتعلم من عدوه فضائله إن كانت له فضائل ، أما"السياسى"المتسيب فالرذائل أفرب إلى قلبه لأنها سهلة لا تكلف جهدا ولا تحتاج إلى مجاهدة !
وعملية التغريب - أو الغزو الفكرى - كانت أهم ما يحرص عليه الصليبى المستعمر .. فحين يفقد المسلم شخصيته الإسلامية فإنه يفقد في الحقيقة نقطة ارتكازه .. ومن ثم فإنه يتهاوى ويضيع .
حين يظل المسلم مسلما فإنه يمكن أن"يستعير"من العالم حوله ما يحس أنه في حاجة إليه ، دون أن يفقد شخصيته ، ودون أن يفقد استعلاءه الذى يستمده من الإيمان .
{وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) } [سورة آل 3/139]
وذلك ما فعله المسلمون الأوائل حين بدأوا ينشئون حضارتهم ، فقد كانوا في حاجة إلى أشياء لا سابقة لهم بها وهى عند عدوهم - البيزنطى أو الفارسى - فلم يجدوا في أنفسهم حرجا على الإطلاق أن يأخذوا ما يحتاجون إليه من هنا ومن هناك ، ولكن في استعلاء المؤمن الواثق المطمئن . فأخذوا ما رأوا أنه نافع لهم ، وأعرضوا عن كثير مما وجدوه عند أعدائهم ، لأنهم نظروا إليه بعين المسلم فأنكروه . وهذا يفسر لنا لماذا أخذوا العلوم الإغريقية ولم يأخذوا الأساطير !
(1) ""كانت تلك من هتافات الحركة الوطنية في مصر !
(2) ""لا يمكن لمسلم ، فضلا عن مسلم مجاهد أن يقول عن عدو دينه إنه ولى أمره مهما تغلب الأخير عليه في معركة السلاح وقهره . أما الزعيم السياسى فما أيسر عليه أن يقول ذلك !
أما حين"يستغرب"المسلم فإنه يفقد - أول ما يفقد - إيمانه بأنه هو الأعلى بعقيدته الصحيحة ونظامه الربانى وأخلاقياته المتطهرة وقياسه كل شئ بالمقياس الربانى .. وينظر إلى عدوه نظرة الإكبار والإجلال ، فينقل عنه كل شئ بلا تحرز ، بل ينقل عنه ما يضر وما يفسد في حين يعجز عن نقل ما ينفع ، لأنه"واهن"بعد فقدانه الإيمان ، والواهن لا يقدر على بذل الجهد الذى يحتاج إليه تعلم النافع من الأمور" (1) ".