فهرس الكتاب
وما كان نصارى لبنان وسوريا في تلك الفترة يجرؤون أن يخرجوا على الحكم الإسلامى علانية وبالاسم الصريح للخروج ، فقد كانوا أقلية محوطة بأكثرية مسلمة ، تدين بالولاء القلبى والسياسى لدولة الخلافة ، ولا تتصور لنفسها حكومة غير الحكومة الإسلامية . فلم يكن في وسع أولئك النصارى أن يقولوا: لا نريد حكم الإسلام علينا ولا نريد حكم الخلافة الإسلامية ! ولذلك كان نشاطهم سريا من جهة ، وباسم غير اسم الخروج على الحكم الإسلامى من جهة أخرى .. كان نشاطهم يقوم باسم العروبة والقومية العربية ، وهو شعار يمكن أن يلتبس فيه الأمر على المسلمين العرب ، ولا يروا - لغفلتهم - أنه موجه ضد الإسلام .. وضدهم هم !
كانت دعوى القومية الطورنية تحز في نفوس العرب المسلمين فينفخ الشياطين في الحزازة لتشتعل . وكان يقال لأولئك العرب المسلمين أنتم أولى بالخلافة من أولئك الطورانيين ! فلماذا تسكتون على الظلم ؟ لماذا لا تثورون وتستقلوا عن الأتراك ؟
وكان عبد الحميد يقظا للعبة كلها" (1) "ولكن أحوال دولة الخلافة يومئذ وأحوال المسلمين جميعا في العالم الإسلامى ، كانت أضعف من أن تصمد للكيد .. فمضى الكيد في سبيله حتى بلغ غايته .
"ولسنا هنا نؤرخ لتلك الفترة" (2) ".. إنما نحن نتحدث عن القوميات والوطنيات ، ودورها في اللعبة التى أريد بها القضاء على الإسلام ، وإنشاء الوطن القومى لليهود في فلسطين ."
كان عبد الحميد يطارد تلك الجماعات السرية التى تنادى بالعروبة والقومية العربية كما يضيق على النشاط السرى لحزب الاتحاد والترفى ، لإدراكه المقصود من ورائهما ، فيتخذ ذلك ذريعة لمزيد من الكيد ضده ويتهم بالدكتاتورية والطغيان في داخل تركيا ، وباضطهاد الأقليات خارجها ! وتصنع من هذه وتلك مادة للدعاية ضده ونشر البغض والكراهية له ، تمهيدا لما يخطط من عزله ، عقابا له على عدم موافقته على إنشاء الدولة اليهودية !
وجرت الأمور في مجراها المقدر في علم الله ، ولكن بسبب من غفلة المسلمين التى مكنت الأعداء من تنفيذ مخططاتهم ، والله يحذرهم في كتابه المنزل:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) } [سورة آل 3/118]
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [سورة المائدة 5/51]
ومع ذلك التحذير فقد كان مسلمون يتولون اليهود في حزب الاتحاد والترقى ، ومسلمون آخرون يتولون النصارى في الجمعيات السرية القائمة باسم العروبة والقومية العربية . ومسلمون آخرون يتولون"لورنس العرب !"ويتبعونه وهو يدعوهم إلى قتال دولة الخلافة التى ظلت تحميهم من الغزو الصليبى قرابة أربعة قرون !
يقو لورد أللنبى ، قائد الجيش"العربى"الذى حارب الخلافة ! لولا مساعدة الجيش العربى والعمال العرب ما استطعنا أن نتغلب على تركيا !!
ولقد كانت الحرب العظمى الأولى تدبيرا يهوديا نصرانيا للقضاء على دولة الخلافة ، وتقسيم تركة"الرجل المريض"والتمهيد لإنشاء الدولة اليهودية في الأمد الذى حدده مؤتمر هرتزل سنة 1897م .. في غفلة من"المسلمين"! إلى جانب الهدف الآخر الذى تحقق كذلك من تلك الحرب ، وهو القضاء على القومية الألمانية لحساب القومية البريطانية والقومية الفرنسية .. ولكن الهدف الأعظم من هذه الحرب كان ولا شك تدمير الخلافة الإسلامية لحساب اليهود والنصارى مجتمعين ، وحساب اليهود بصفة خاصة !
ووزعت الأسلاب بن بريطانيا وفرنسا ، صديقتى اليهود يومئذ ، ووضعت فلسطين بصفة خاصة تحت الانتداب البريطانى ، والانتداب درجة أسوأ من الحماية ، والحماية درجة أسوأ من مجرد الاستعمار .. كان ذلك بعد وعد بلفور الشهير ، الذى صدر عن وزير خارجية بريطانيا اليهودى"اللورد بلفور"سنة 1917 في أثناء الحرب ، وبدأت دولة الانتداب في تنفيذه عقب الحرب مباشرة تحت إشراف المندوب السامى البريطانى اليهودى السير صمويل هور !
وخلال خمسين عاما من مؤتمر هرتزل قامت الدولة اليهودية سنة 1947" (3) "ولكن الأمر احتاج إلى حرب"عظمى"ثانية !
(1) ""كما تدل على ذلك مذكراته .
(2) ""راجع إن شئت مذكرات السلطان عبد الحميد .
(3) ""قامت الدولة واقعيا سنة 1947 ولكنها لم تعلن رسميا إلا عام 1948 بعد مسرحيات الحرب التى مثلتها الجيوش العربية حسب مخطط متفق عليه .