فهرس الكتاب

الصفحة 15895 من 27364

وسوء كانت الحرب الثانية"طبيعية"نتيجة القهر العنيف الذى وقع على القومية الألمانية من القومية البريطانية والقومية الفرنسية ، ونزوع القومية الأولى للانتقام لنفسها من القوميتين الأخريين - كما نعتقد نحن - أو كانت تدبيرا خالصا لليهود - كما يعتقد"وليم كار"فى كتاب"أحجار على رقعة الشطرنج"" (1) "فقد استغلها اليهود استغلالا واسعا لصالحهم ، لاستدرار عطف العالم كله عليهم - بوصفهم من ضحايا النازية - ليوافق عن طيب خاطر على سلب العرب جزءا من وطنهم لإقامة الدولة اليهودية فيه . وقد سبقت الإشارة إلى الكاتبة الألمانية التى تقول في كتابها إن اليهود هم الذين دبروا عملية تعذيب النازى لهم ليتخذوها مادة دعاية لعم على أنهم المظلومون المضطهدون المشردون في الأرض ، الذين يبحثون عن مأوى يقيهم من التشريد والظلم والطغيان ، وأن حجم التعذيب - الذى دبروا له تدبيرا - كان أضأل بكثير مما قيل في الدعاية اليهودية العالمية التى ظلت طيلة سنوات الحرب تجلجل في كل أرجاء الأرض لتصل إلى الهدف المطلوب .

وأيا كان الأمر فقد تم لليهود ما أرادوا بمناصرة الصليبية العالمية لهم ، وبغفلة المسلمين ..

وقد كان التدبير اليهودى الصليبى ما بين الحربين الأولى والثانية محكما في الحقيقة .

فقد قسم العالم العربى إلى دويلات ضعيفة مسلوبة القوة لا حول لها ولا طول . فالقوة السياسية والعسكرية ذهبت بذهاب دولة الخلافة وصار حكام تلك الدويلات يعتمدون اعتمادا كاملا على بريطانيا وفرنسا - صديقتى اليهود - وصارت جيوشها جيوش استعراض وزينة لا جيوش قتال حقيقى ، تعتمد في سلاحها وذخيرتها اعتمادا كليا على بريطانيا وفرنسا ، واقتصادياتها غاية في التخلف .. أما شباب الشعوب - وهو قوة خطرة إذا وجد التوجيه الجاد - فقد سلط عليه"التغريب"يقتلعه من إسلامه ومن روح الجهاد الإسلامية ، وسلطت عليه السينما والإذاعة والمسرح والقصة والصحيفة والشواطئ العارية .. كلها تصب الميوعة في نفسه وتصرفه عن الاهتمامات الجادة ، وتفسد أخلاقه وتشغله بفتنة الجنس .. فوق انشغال كل بلد بقضاياه ومشاكله الخاصة ، وفوق بذر بذور البغضاء بين كل بلد والآخر حتى لا تجتمع كلها على قضية واحدة ولا أمر واحد مشترك .

وفى ظل ذلك قامت الدولة اليهودية بعد مسرحية"الحرب"ثم الهدنة .. ثم الحرب ثم الهدنة الثانية بعد وقوف الجيوش"المتحاربة"عند خط التقسيم المتفق عليه ! ولكن أمرا حدث لم يكن على خاطر الصليبيين واليهود .. فوجئوا به جميعا مفاجأة لم تكن في الحسبان .. فقد اشترك في القتال فدائيون مسلمون ، يحرصون على الموت حرص أعدائهم على الحياة . وحين عركهم اليهود وعرفوا حقيقتهم ، كانوا إذا جابهوهم يفرون عن مستعمراتهم ، تاركين أسلحتهم وذخيرتهم ومئونتهم لينجوا بجلودهم !

كانت المفاجأة من جهتين ..

فقد كان الصليبيون واليهود يظنون أن الإسلام كله قد شاخ ولم يعد بوسعه أن يخرج مثل هذه العينات من البشر ، وكانت المفاجأة الثانية أنهم ظنوا أن مصر بالذات التى عمل الصليبيون على دك معاقلها الإسلامية منذ وقت مبكر ، منذ الحملة الصليبية الفرنسية بقيادة نابليون ، لا يمكن أن تخرج هذه العينات الصلبة المستميتة في القتال بروح جهاد إسلامية خالصة لا يريدون بذلك جزاء ولا شكورا .

عندئذ تقر أمران في وقت واحد ..

الأمر الأول ضرورة القضاء على حركة البعث الإسلامى التى أخرجت مثل هؤلاء المجاهدين . والأمر الثانى ضرورة إيجاد بديل من الراية الإسلامية التى أخرجت أولئك المقاتلين وتوشك أن تمتد ظلالها من مصر إلى البلاد العربية الأخرى ..

وكان البديل هو"القومية العربية".

يقول جورج كيرك"Geo r ge Ki r k"مؤلف كتاب موجز تاريخ الشرق الأوسط"A sho r t Histo r y of the Middle East"إن القومية العربية ولدت في دار المندوب السامى البريطانى !!

ولقد كانت بريطانيا قد فكرت من قبل في إيجاد"الجامعة العربية"على مستوى الحكومات ، فطار"أنتونى إيدن"وزير الخارجية البريطانى إلى القاهرة عام 1946م ودعا الملوك والرؤساء العرب إلى الاجتماع به هناك ، وعرض عليهم في الاجتماع فكرة إنشاء الجامعة العربية في القاهرة لتتبنى قضايا العرب وتدافع عن مصالحهم !! ولكن ذلك لم يكن كافيا ، فقد كان لابد من رفع راية"القومية العربية"على مستوى الجماهير !

(1) ""يبالغ وليم كار في نسبة كل أحداث العالم الكبرى إلى اليهود ، ولا نوافقه في ذلك رغم إخلاصه في كتابته .. راجع فصل ط دور اليهود في إفساد أوروبا"."

فلما ورثت أمريكا بريطانيا وفرنسا بعد الحرب وبسطت نفوذها على " الشرق الأوسط"" (1) " أقامت - عن طريق الانقلابات العسكرية - زعامات كاملة تدافع عن"القومية العربية"فى الوقت الذى تحارب فيه الإسلام والمسلمين ! وقالت الدعاية - التى أقامتها أمريكا وإسرائيل - إن أمريكا وإسرائيل لا تخشيان شيئا خشيتهما للقومية العربية ، ولا تخشيان أحدا خشيتهما لزعيم القومية العربية !

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت