فهرس الكتاب
وفى ظل القومية العربية التى أقامتها الصليبية العالمية ، توسعت إسرائيل وتوسعت حتى توشك أن تبتلع فلسطين كلها .. وتتطلع إلى المزيد !
لقد كانت"القومية"التى صدرت إلى العالم الإسلامى هى القومية المأكولة لا القومية الآكلة التى قامت في أصلها هناك !
ليس هنا مجال التفصيل للظروف التى أحاطت"بالمسلمين"وأدت بهم إلى هذا الضياع كله وهذا الهوان .. إنما نقول في ختام هذا الفصل إن الإسلام لا يعرف تلك الدعاوى الزائفة التى روحها أعداء الإسلام بغية القضاء عليه ، وتشربها"المسلمون"فا غفلتهم ، غافلين عما فيها من السموم .
إن الإسلام لا يغير انتماء الناس إلى أرضهم ولا شعوبهم ولا قبائلهم ، لأن هذا أمر مادى حسى واقع لا سبيل إلى تغييره ، فالذى يولد في الأرض المصرية مصرى بحكم مولده والذى يود في الأرض العراقية عراقى بحكم مولده . والذى يولد في الأرض الباكستانية باكستانى بحكم مولده .. وهكذا .
ولكن الإسلام ينكر أن تكون صلة التجمع شيئا غير الإسلام ! غير العقيدة الصحيحة في الله ! لا الدم ولا الأرض ولا اللغة ولا"المصالح"الأرضية .
{قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24) } [سورة التوبة 9/24]
وانظر إلى قصة نوح مع ابنه:
{وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنْ الْمُغْرَقِينَ (43) وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنْ الْخَاسِرِينَ (47) } [سورة هود 11/42-47]
لقد وعد الله نوحا أن ينجو أهله معه ، إلا من سبق عليه القول:
{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (40) } [سورة هود 11/40]
فلما رأى ابنه في معزل ناداه ليركب معه سفينة النجاة .. ولكنه عصى وقال سآوى إلى جبل يعصمنى من الماء .. وكانت عاقبته أن غرق مع المهلكين .
ولما قضى الأمر ونجا من نجا وهلك من هلك راح نوح - في مرارة الفقد التى تشوب فرحة النجاة - يناجى ربه ، ويسأل عن تفسير ما حدث: لقد وعده الله بنجاة أهله ، وابنه من أهله ، ومع ذلك كان من الهالكين !
وكان الرد الربانى:"إنه ليس من أهلك ! إنه عمل غير صالح".
ذلك أن الآصرة الحقيقية التى تجعله من أهلك ليست هى رابطة الدم التى تجمع بينه وبينك . إنما هى رابطة العقيدة . وقد رفض الابن أن يكون على العقيدة الصحيحة فانفصم ما بينه وبن أبيه من رباط ، لأنه"عمل غير صالح"!
ذلك هو ميزان الإسلام .
وقد مرت بنا الآية التى تجعل الآباء والأبناء والاخوان والأزواج والعشيرة ، والأموال والتجارة والأرض وهى مقومات القومية كلها في كفة ، وفى الكفة الأخرى حب اله ورسوله والجهاد في سبيل الله .. والمفاضلة الكاملة بين هذه وتلك .
وليس معنى ذلك أن الإسلام يحرم كل تلك الروابط !
(1) ""كلمة"الشرق الأوسط"ذاتها كلمة دخيلة من تخطيط الأعداء من أجل تسويغ إقامة الدولة اليهودية في المنطقة . فإنها لو بقيت في التسمية منطقة إسلامية أو حتى عربية فكيف تقوم فيها دولة لليهود ؟ أما حين تصبح منطقة جغرافية لا انتماء لها فكل شئ ممكن !
كلا ! إنما يجيزها كلها حين تقع تحت رابطة العقيدة وداخلها:
{وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [سورة الأنفال 8/75]
أى حين يكونون كلهم مؤمنين .
أما حين تكون تلك الروابط حاجزا يحجز بين المؤمن والمؤمن بسبب رباط الدم أو اللغة أو الأرض أو المصالح .. فهذه التى قال فيها رسول ا صلى الله عليه وسلم " دعوها فإنها منتنة"" (1) " .