فهرس الكتاب

الصفحة 15904 من 27364

والإسلام دين الله الحق ، وكل أمر فيه - بما في ذلك الجهاد لنشر الدعوة ، والتميز والاستعلاء بالإيمان ،واعتزال أدران الجاهلية وعدم المشاركة فيها - هو أمر ربانى ، لم يبتدعه المسلمون من عند أنفسهم ، ولا قاموا به لصالح أنفسهم ، إنما تنفيذا الأمر لأمر الله ، سواء نالهم منه في الأرض الغنم أو الغرم - بالمقاييس البشرية المحدودة - إنما يصنعونه ابتغاء مرضاة الله ، وطمعا في الجزاء في الآخرة .

ولكن غير المسلمين لا يؤمنون بذلك بطبيعة الحال ، فلا نناقشهم بمنطق الإيمان الذى لا يلزمهم . بل نفترض - جدلا - أن كل النظم ذات حق متساو في الوجود وفى الانتشار في الأرض .. فلننظر في الواقع التاريخى نظرة"علمية""موضوعية""مجردة". أى النظم مارس حقه في الوجود وفى الانتشار في الأرض بروح إنسانية حقيقية ، وأيها مارس الوجود والانتشار بسلوك خال من القيم الإنسانية هابط إلى الحضيض ؟!

فمن كان في شك فلينظر إلى الواقع المعاصر وما يتم فيه من ألوان من البربرية الوحشية لا تخطر على البال ، وألوان من نقض المواثيق لا تخطر على البال ، وألوان من العبث بكرامات الشعوب والاستخفاف"بحقوق الإنسان"لا تخطر على البال !

وذلك رغم كل الشعارات المرفوعة ، والقيم المسطرة في ديباجات الدساتير والمعاهدات والمواثيق !

أما الإسلام فلا يداور ولا يناور ، ولا يرفع الشعارات البراقة بلا رصيد . إنما هو رغم الصراحة الحاسمة التى يعالج بها كل أمر ، هو الذى يطبق الروح الإنسانية الحقيقية والتسامح الحقيقى .. ولا عجب في ذلك ، فإنما هو المنهج الربانى الحق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وهو الصراط المستقيم الذى لا عوج فيه .

الإلحاد

الإلحاد - بمعنى إنكار وجود الله ، والقول بأن الكون وجد بلا خالق أو أن المادة الأزلية أبدية ،وهى الخالق والمخلوق في ذات الوقت - بدعة جديدة في الضلالة فيما أحسب ، لم توجد من قبل في جاهليات التاريخ السابقة ، ومن المؤكد على أى حال أنها لم توجد بهذه الصورة وبهذا الاتساع الذى تمارسه الجاهلية المعاصرة ، في أى فترة سابقة من فترات التاريخ .

وبعض الناس يشير إلى الآية الكريمة: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ} [سورة الجاثية 45/24] ويستدلون منها على أنه وجد في الجاهلية العربية (وبالتالى في غيرها ) من ينكر وجود الله ، وأن هؤلاء الدهريين كما أطلق عليهم هم صنو القائلين بالطبيعة ، المنكرين لوجود الله .

والآية - فيما أرى - لا تعطى هذه الدلالة بصورة قاطعة ، فإنها تقطع فقط بأن القوم المشار إليهم ينكرون البعث ، ولكنها لا تقطع بأنهم ينكرون وجود الله .

وما لم يثبت من مصدر يقينى" (1) "أنه وجد في العرب أو في غيرهم من الأمم من قبل من ينكر وجود الله ، فأغلب الظن عندى أن هؤلاء القوم المشار إليهم في الآية هم الذين يؤمنون بوجود الله وبأنه هو الخالق المدبر ثم ينكرون قدرته سبحانه وتعالى على بعث الموتى بعد أن يصيروا ترابا وعظاما: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [سورة لقمان 31/25]

{قُلْ لِمَنْ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّا تُسْحَرُونَ (89) } [سورة المؤمنون 23/84-89]

ومع إقرارهم بذلك كله فقد كانوا ينكرون البعث إنكارا شديدا ويعجبون ممن يقول به: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7) أَافْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ (8) } [سورة سبأ 34/7-8]

فتكذيبهم بالبعث لم يكن ناشئا من إنكارهم لوجود الله ، إنما من إنكارهم قدرته سبحانه وتعالى على إحياء"الموتى بعد ان بليت أجسادهم وضلوا في الأرض: {وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [سورة السجدة 32/10] "

ولذلك كان الجدل معهم في هذا الموضوع يدور كله حول معنى واحد هو أن الذى خلق الخلق من العدم أول مرة قادر على أن ينشئهم مرة أخرى:

(1) ""أى حديث مقطوع بصحته .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت