فهرس الكتاب

الصفحة 15903 من 27364

{وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91) وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمْ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (93) وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (94) } [سورة النحل 16/91-94]

{وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58) } [سورة الأنفال 8/58]

ولقد كان معاوية قد أعطى عهدا للروم إلى أمد محدد ، ثم جاءته عيونه تخبره أن القوم يستغلون الهدنة للاستعداد للانقضاض على المسلمين ، فأراد أن يباغتهم ، فاستشار فأبى عليه مستشاروه ، وقالوا له إما أن تنبذ إليهم عهدهم على سواء وإما أن تنتظر إلى نهاية العهد ، والله ينصرك بالطاعة . فانتظر حتى نهاية العهد وانتصر بإذن الله .

ويروى التاريخ كيف غدر الصليبيون بعهدهم مع صلاح الدين وفاجئوا المسلمين الآمنين على بغتة فاحتموا بالمسجد فدخلوا عليهم المسجد وأعملوا فيهم القتل حتى غاصت الخيل إلى ركبها في الدماء .. فلما دارت الدورة وانتصر صلاح الدين أبى أن ينتقم منهم - سماحة - ولم يغدر قط بميثاق واحد أعطاهم إياه .

وظل وفاء المسلمين بمواثيقهم في السلم والحرب مضرب المثل خلال التاريخ ، اتباعا لتعاليم الإسلام ، وتخلقا بأخلاق لا إله إلا الله .

والإسلام صريح في توجيه اتباعه إلى التميز عن أحوال الجاهلية ، التميز بنظافة السمت ونظافة الأخلاق ونظافة السلوك ،والاستعلاء بالإيمان على كل مصدر ليس إسلاميا أو متعارض مع الإسلام ، حتى لو لحقت بهم هزيمة مؤقتة أو ضعف طارئ:

{وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) } [سورة آل 3/139]

ومصدر التميز هو الإحساس بأنهم على الهدى وغيرهم على الضلال ، وأن المنهج الذى يعيشون به هو المنهج الأعلى لأنه المنهج الربانى، والذى يعيش عليه غيرهم هو المنهج الأدنى لأنه منهج جاهلى . فهو ليس تميزا مبنيا على الجنس ولا اللون ولا الجاه ولا الغنى ولا القوة ولا أى معنى من المعانى الأرضية التى تعتز بها الجاهلية وتستعلى بها على الناس . إنما التميز المستمد من معرفة المنهج الربانى واتباعه ..

ومع ذلك كله فكيف يكون التعامل الإسلامى مع غير المسلمين ؟!

{لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) } [سورة الممتحنة 60/8]

{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} [سورة المائدة 5/5]

كما أنه ليس مقتضى التميز والاستعلاء هو"مخاصمة"كل ما يأتى من مصدر غير إسلامى ، إن كان شيئا نافعا في ذاته ، ولم يكن متعارضا مع الإسلام ، فقد أخذ المسلمون الأوائل من الحضارة الفارسية والحضارة البيزنطية ما رأوه نافعا لهم ولا يتعارض مع عقيدتهم وأخلاقهم وأفكارهم وتصوراتهم الإسلامية . إنما مقتضى ذلك ألا يأخذوا من مصدر غير إسلامى أمرا يتصل بالعقيدة ـأو يتصل بالقيم أو يتصل بالشريعة أو يتصل بالأخلاق لأن مرجعهم في ذلك كله هو كتاب الله وسنة رسوله ، وهو حسبهم وفيه كل ما يحتاجون إليه في هذه الأمور . أما"الأدوات"الحضارية ، وأما"العلم"وأما"التجارب"النافعة فلا خصومة معها ، ولا عداء ما دامت لا تصادم أصلا من أصول الإسلام .

ذلك هو الواقع الإسلامى .. وخلاصته أن"الإنسانية"الحقيقية"والسماحة"الحقيقة هى الإسلام !

فحيث تكون دعاوى الإنسانية والعالمية والتسامح في كل النظم مجرد شعارات لا رصيد لها من الواقع ، فإنها في الإسلام واقع حقيقى ، لا دعاوى ولا شعارات مرفوعة بغير رصيد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت