فهرس الكتاب

الصفحة 15902 من 27364

{لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ...} [سورة البقرة 2/256]

إنما يقام العدل الربانى ليستمتع به الناس ويعيشوا في ظله ولو كانوا لا يعتنقون عقيدة الإسلام .

وقد فتح المسلمون مصر وكان سكانها على دين النصرانية ، فلم يكرههم السلمون على اعتناق الإسلام . ولو كان هناك إكراه ما بقى الأقباط على دينهم حتى هذه اللحظة !

إنما أقام المسلمون العدل الربانى كما أمرهم الله فردوا للأقباط كرامتهم الإنسانية المفقودة التى سلبهم إياها حكامهم الرومان وهم على نفس الدين ولكن على مذهب مخالف . فقد كان الرومان يلهبون ظهور الأقباط بالسياط لمخالفتهم إياهم في المذهب فلا يتحرك الأقباط لرد العدوان ،ولا يجدون ملجأ يلجئون إليه يمنحهم الحرية الاعتقادية ويمنحهم العدل والكرامة . فلما جاء المسلمون منحوهم كل ذلك . وقصة القبطى الذى ذهب إلى المدينة ليشكو إلى عمر بن الخطاب ضربة العصا التى وقعت على ظهر ابنه من ابن عمرو بن العاص شهيرة لا تحتاج إلى إعادة . ولكن دلالتها وضاحة ، فهذا القبطى الذى كان يتلقى سياط الرومان ولا يشكو ولا يثأر لكرامته المسلوبة ، يسافر هذه الرحلة الطويلة طلبا للعدل ، لأن الإسلام رد له كرامته فصار يستنكر الظلم ويطلب العدل ، ولأن الإسلام أوجد له ملجأ حقيقيا يستحقق له العدل فيه فطلبه هناك .

ومن أجل هذا يقاتل المسلمون يقاتل المسلمون ، لا لفرض عقيدتهم ،ولا للتوسع الاستعمارى ، ولا لسلب أقوات الناس والاستئثار بها لأنفسهم ، ولا لأى فائدة أرضية من التى تسعى الدول إليها ، ولكن قياما بأمر الله ، ونشرا لهذا العدل الربانى في الأرض .

وفتح المسلمون الأندلس ، وظلوا هنالك ثمانية قرون .. فلم يفرضوا عقيدة الإسلام على نصارى الأندلس ، بل دخل منهم من دخل الإسلام حبا فيه وإيمانا بصدقه ، وبقى النصارى نصارى حتى ردوا للمسلمين الجميل بطردهم من الأندلس مع التعذيب والتنكيل والتشريد على أبشع صورة وعاها التاريخ . ونشر المسلمون النور في الأندلس وغيرها من البلاد عن طريق مدارسها وجامعاتها وأساتذتها وكتبها وعلومها وحضارتها ، التى مرت شهادات الشاهدين بها من منصفى الغرب على قلتهم ! وكانت الأندلس هى الملاذ الآمن لليهود والنصارى على السواء ، يشعرون فيها بالأمن الكامل في ظل الحكم الإسلامى ، بينما أوروبا كلها تضطهد اليهود وتنكل بهم ، وبينما النصارى المخالفون لمذهب الكنيسة يعيشون في رعب دائم من الإرهاب .

وفتح المسلمون الهند ، وحكموها ثمانية قرون .. فلم يفرضوا العقيدة الإسلامية على الوثنيين الهنود ، بل تركوهم لعقائدهم مع أن فيها ملا يعقله عاقل ، من عبادة للبقر ، وتبرك بروثها وبولها .. وإنما فرضوا عليهم فقط أن يكفوا عن بعض عاداتهم الوحشية التى كانوا يمارسونها من دفن الأرملة حية مع زوجها المتوفى ، أو حرقها حية .. من أجل رفع هؤلاء الناس إلى درجة الآدمية في بعض تصرفاتهم دون المساس بعقائدهم . وظل الهندوس محافظين على عقائدهم وتقاليدهم في ظل الحكم الإسلامى حتى تسلموا حكم الهند بمساعدة الصليبيين الإنجليز ، فردوا الجميل للمسلمين بالعدوان المستمر عليهم وتحريق قراهم وتعمد الإثارة الدائمة لهم ، والتهييج الدائم لخواطرهم .

كذلك كان فتح المسلمين للأرض .. ومن أجل هذه المعانى الرفيعة أمرهم الله بالقتال لنشر الدعوة .. ومع ذلك فهم لا يبدأون بالقتال ، إنما يبدأون بعرض الإسلام ، فإن لم يقبل منهم فالجزية ، فإن لم تقبل فالقتال من أجل إخراج الناس من ظلمات الجاهلية وظلمها إلى عدل الإسلام وسماحته ، على النحو الذى تم به الأمر في واقع التاريخ .

وللحرب مع ذلك تقاليد .. بل قل إنها أخلاقيات الإسلام في كل شئ حتى مع المشركين المعاندين .

قال رسول ا صلى الله عليه وسلم لجيشه يعلمه أخلاقيات الحرب في الإسلام"اغزوا باسم الله ، وقاتلوا من كفر بالله ، اغزوا فلا تغلوا ولا تغدروا ولا مثلوا ولا تقتلوا وليدا .."الحديث" (1) ".

(1) ""رواه مسلم .

ثم إن أعطوا الأعداء عهدا أو موثقا فالله يأمرهم أن يوفوا بالعهد ولا ينقضوا الميثاق ن تحت أى ظرف من الظروف ولأى هدف من الأهداف ز فإن خافوا منهم خيانة فلينبذوا إليهم عهدهم علانية ولا يغدروا ولا يفاجئوا عدوهم بالقتال قبل انقضاء العهد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت