فهرس الكتاب
هنا منافذ في الفطرة تتلقى إيقاعات من الكون والحياة ، فتستيقظ من غفلتها ، إن كانت غافلة ! فتروح تتساءل: ما وراء ذلك ؟ ومن وراء ذلك ؟ .. فتهتدى إلى وجود اله ثم تتصوره على حقيقته ، فردا صمدا خالقا رازقا مدبرا مهيمنا .. فتعبده العبادة الحقة وتخلص له العبادة ، أو تضل فتتصوره على غير حقيقته ، وتشرك معه آلهة أخرى . ولكنها في الحالين تعرف وجوده ، وتتوجه إليه بالعبادة على نحو من الأنحاء .
هناك بادئ ذى بدء هذا الكون الهائل ، الذى يروع الحس بضخامته المعجزة .
وبغير الأدوات التى استحدثها الإنسان لتزيد بصره حدة ، وتجعله ينفذ في آماد الكون المتطاولة التى لا تنفذ إليها النظرة بالعين المجردة ، كان الإنسان يحس بضخامة الكون وسعته المعجزة ، من رؤية السماء التى لا يحيط بها بصره ، ورؤية الشمس والقمر ، ورؤية العدد الهائل من النجوم التى يعجز عن إحصائها .. وكان يروعه ذلك كله ويسترعى انتباهه فيظل يفكر فيه ، ويتساءل .. أو تتساءل فطرته ، من وراء ذلك ؟ وماذا وراء ذلك .. فيهتدى إلى الله الحق ن أو يضل فيتصور الشمس هى الله ، أو القمر هو الله ، أو النجم هو الله .. أو أنها جميعا آلهة في وقت واحد . ولكنه في كل حالة يعلم أن هناك خالقا لهذا الكون الهائل ، فيتخيله على صورة من الصور ، ويعبده لونا من العبادة ، يحتوى على ركوع وسجود ، وشعائر أخرى والتزامات .
وحين مد الإنسان ببصره إلى داخل الكون من خلال المناظير رأى عجبا يأخذ بالألباب !
رأى أن الشمس كلها والمجموعة الشمسية من حولها ليست إلا"نجما"واحدا من نجوم لا تحصى في مجموعة واحدة تعرف"بالمجرة"وأن المجرة التى فيها شمسنا ليست إلا واحدة من مجرات أخرى غيرها في الكون تعد بالملايين ! كلها ذات نجوم تعد بالملايين !
ورأى أن هناك نجوما تبعد عنا عدة آلاف ..لا من الأميال .. ولا من ألوف الأميال (أى ألوف الألوف) ولكن من السنين الضوئية ! أى المسافة التى يقطعها الضوء في سنة كاملة وهى رقم فلكى لا يتعامل به البشر على سطح الأرض .
186000 × 60 × 60 × 24 × 365.25 = 5.869.713.600.000 ميلا تقريبا .
ورأى من حيث الحجم أن هناك نجوما تبلغ أضعاف حجم شمسنا ، التى لا نراها بطبيعة الحال في حجمها الطبيعى لأنها تبعد عنا حوالى 93 مليون ميل ، وأن هذه النجوم تبدو لنا مجرد نقط في الفضاء رغم حجمها الهائل ذلك ، لأن مسافتها منا شئ مذهل ، لا يقاس إليه بعد شمسنا منا .. وأن المسافة بين نجم ونجم في هذا الفضاء لا يكاد يتصورها العقل .. فما بال الفضاء كله ؟ كم حجمه ؟ ما أبعاده ؟ هل هو منته أم ممتد بلا انتهاء !
وعلم - من طريق المناظير - أن الكون المرئى كله إن هو إلا جزء من الكون فحسب ، وأن نسبته إلى الكل أمر لا يمكن تحدده ، لأنه لم يمكن بعد تحديد مقدار ذلك"الكل".. لأنه كلما اختراع الإنسان آلة أبعد .. بدا له من الكون مزيد لم يكن يراه من قبل ، ولم يكن يحسب أنه كائن في الوجود !
ومع هذه الضخامة المعجزة يلحظ الحس البشرى دقة معجزة كذلك .
ومن قبل أن يتوصل الإنسان إلى الأجهزة الدقيقة البالغة الدقة ليقيس بها مقدار الدقة في هذا الكون ، كان يرى ما يروع حسه ويستغرق انتباهه .
كان يرى الدقة العجيبة في تتابع الليل والنهار بمواعيد مضبوطة على مدار العام ، والدقة العجيبة في مسار الظل وتغيره يوما عن يوم حتى يعود إلى نفس مكانه بعد عام كامل من كل يوم .. ومن هنا نبتت فكرة المزولة ثم فكرة الساعة وكان يرى الدقة في مسار القمر وتغير أوجهه ليلة بعد ليلة حتى يعود إلى نفس وضعه بعد شهر كامل من كل يوم يرصد فيه .. وكان يرى دورة النبات من البذرة المغمورة في الأرض ، إلى الشطأ الذى يخرج منها ، إلى الساق والأغصان والأوراق ، إلى الزهرة والثمرة والبذرة في نهاية المطاف .. وكان يرى الزهرة الملونة تتكون من خيوط دقيقة ومساحات دقيقة من اللون يعجز الرسام الماهر أن يرسمها بهذه الدقة ، ويعجز عن تكرارها بنفس الصورة في رسم آخر فضلا عن ألوف وملايين ؛ ولكنها في الطبيعة تبرز ملونة بهذه الدقة في كل زهرة دون جهد مبذول . ويرى ريشة الطائر الملون مكونة من عدد لا يحصى من الخطوط والخيوط ن كل يحمل نصيبا دقيقا من اللون يعجز الرسام أن يرسم مثله في دقته ، ثم يحدث من تجمعها في الريشة ذك المنظر البهيج الذى يروع النظر ويروع الحس . وكان يرى دقة دخول الليل في النهار حتى يتلاشى الضوء ، ودقة دخول النهار في الليل حتى يتلاشى الظلام .. وكان يرى أشياء وأشياء توقظ فطرته إن كانت غافلة يتساءل: هل يمكن أن توجد هذه الدقة العجيبة كلها بغير موجد ؟ ثم يروح يتطلع إلى الموجد ، فيهتدى إلى أنه حقيقة لا تدركها الأبصار فيؤمن بالله على بصيرة ، ويعبده على بصيرة ، أو يضل فيتصور أنه الشمس أو القمر أو النجوم أو الروح الساكنة في التمثال الذى ينحته بيديه .. ولكنه في كل حال يعلم أنه لابد من خالق خلق هذا الوجود بتلك الدقة التى يلحظها في تلك الكائنات حوله .