فهرس الكتاب

الصفحة 15907 من 27364

ثم مد الإنسان ببصره إلى داخل هذا الكون المعجز عن طريق الأدوات التى استحدثها فرأى عجبا لم يكن يخطر له على بال ! رأى هذا الكون العجيب كله مكونا من ذرات متناهية في الدقة لا تراها العين المجردة ، إنما ترسمها الأدوات التى استحدثها الإنسان ، في صورة شمس تدور حولها كواكب على ذات النمط الذى تتكون منه المجموعة الشمسية ولكن في دقة متناهية لا يدركها الحس . وفى كل قطعة صغيرة من المادة ملايين وملايين من هذه الذرات متراكبا بعضها مع بعض ، ومشدودا بعضها إلى بعض ، بذات القوة التى تمسك الكون كله بعضه إلى بعض ، وتسمح له بالحركة الدائبة دون أن يصطدم أو يتناثر ، والتى أطلق عليها اسم"قوة الجاذبية".

بل رأى أعجب من ذلك حين فتت الذرة وأطلق منها"الطاقة".

إن الذرة ليست"مادة"مصمتة كما كان يتخيل أول الأمر ، وليست هى الصورة النهائية"لمادة"ولكنها جسيمات كهربية موجبة وسالبة ومتعادلة ، يمكن تفتيتها وتفكيكها فتتحول إلى طاقة ، والطاقة يمكن أن تتحول إلى مادة . ولا يوجد ذلك الحاجز الذى كان يتخيله بين المادة وبين الطاقة .. والكون في النهاية طاقة تأخذ صورا شتى . صورة متكتلة في هيئة المادة ، وصورة منطلقة في هيئة شعاع ضوئى ، وصورة منطلقة في هيئة جاذبية مغناطيسية ، أو مغناطيسية كهربية تصير الألباب !

ورأى من بين ما رأى عجبا عاجبا في تكوين الجنين ونموه المتتابع حتى يصبح خلقا تام التكوين .

فهو في أصله بويضة ملقحة وحيدة الخلية ، تتكاثر عن طريق الانقسام المستمر إلى خلايا جديدة متشابهة في التكوين ولكنها متخصصة . وإلى أن تكون مضغة لا يظهر للعين ذلك التخصص . ولكن في وقت معين مقدر محدد ، تصدر لكل خلية أوامر خفية . فهذه الخلية يصدر لها أمر أن تكون هى الأنف ، وتلك الخلية يصدر لها أمر أن تكون هى العين ، وثالثة يصدر لها الأمر أن تكون هى القلب ز ثم تتكاثر كل منها على النحو المقدور لها فيتكون من تكاثرها أنف وعين وقلب وبقية الأعضاء ..

ثم هناك"الجينات"أو"المورثات"متناهية في الصغر كالذرات .. عجيبة كل العجب في شأنها كله .

فكل جنس من أجناس الكائنات له عدد محدد من"الكروموسومات"حاملات الصفات الوراثية لا يتجاوزها في كل فرد من أفراده ، تحدد له خصائصه كلها من أعضاء وقدرات وأعمال ، فالكلب له عدد من"الكروموسومات"معين ، والحصان له عدد معين والقرد له عدد معين .. والإنسان هو أكثرها عددا .. ولا يتجاوز كل جنس حدوده إلى جنس آخر ، محكوما بعدد هذه الكروموسومات وما تحمله في داخلها من الخصائص .. فلا يستطيع القرد أن يكون غنمانا في يوم من الأيام ولا في جيل من الأجيال !

ثم هذا الإنسان ، أعجب مخلوقات الله واشدها إعجازا ، وإن كان الخلق كله معجزا بالنسبة إلينا ، وهينا بالنسبة للخالق الذى يقول للشئ كن فيكون ، ولا يتعب في تشكيله وتكوينه كما تتعب المخلوقات !

عدد"الكروموسومات"بالنسبة للإنسان كله واحد .. ولكن الإنسان أكثر كائنات الخلق تعددا في صوره وأشكاله . فهذا قصير وهذا طويل ، وهذا أبيض وهذا أسود ، وهذا أزرق العينين وهذا داكن .. وهذا عبقرى وهذا خامل .. وهذا موهوب في ألدب وهذا موهوب في الرياضيات .. وهذا جلد صبور وهذا مستثار حائر .. كل إنسان تركيبة وحده ، وهو مكون من ذات العناصر .. من ذات العدد من حلاملات الصفات الوراثية التى يحملها"الإنسان"ولكنها في كل فرد غيرها في الفرد الآخر ، فلا يكاد يتماثل اثنان في ملايين البشر في الجيل الواحد ولا في جميع الأجيال . بل تصل الدقة في بصمات الأصابع إلى حد تصبح معه من وسائل التعرف لأنها لا تتكرر في فردين اثنين من بين ملايين الأفراد !

كيف يحدث ذلك كله ؟ كيف تحدث هذه العجائب التى لا ينقضى العجب منها سواء في تكوين المادة أو في تكوين الكون كله ، أو في المادة الحية من أول الكائن الوحيد الخلية إلى الإنسان ، أو التناسق و"التوازن"فى بنية الكون ، وخاصة ذلك التوازن الكائن في تلك المجموعة الشمسية التى منها اضرنا ، والتى يتبدى التنسيق الدقيق فيها بحيث لو اختل عنصر واحد منها ما أمكنت الحياة على صورتها الحالية ولا أمكن استمرار الحياة .. لو اقتربت الأرض من الشمس أكثر تحترق الكائنات الحية ولو ابتعدت أكثر تهلك من الصقيع .. لو اقترب القمر من الأرض أكثر لارتفع المد حتى يغرق كل الأرض . ولو زاد الأكسجين لاشتعلت الكائنات ولو قل لم تجد كفايتها للحياة .

كيف يحدث ذلك كله ؟ من غير خالق مدبر حكيم ؟

ويتلقى الحس البشرى إيقاعات من الحياة من حوله . الحياة ذاتها إعجاز ..

كيف تكونت الحياة أول مرة من الموات ؟

ثم كيف تعددت على هذا النحو الذى نراه ، من نبات وحيوان وإنسان ؟ ثم في أنواع النبات المختلفة وأنواع الحيوان المختلفة وأشكال الإنسان المختلفة ؟

ما الحياة ؟ وما سرها ؟ ومن واهبها ؟ وكيف يهبها ؟

كيف"ينمو"الكائن الحى وتتغير أحواله من طور إلى طور .. ؟

والكائن البشرى بالذات ..المعجز في كل تفصيلاته ..كيف تتم عمليات النمو المختلفة فيه .. كيف يتعلم الكلام ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت