فهرس الكتاب

الصفحة 15908 من 27364

إن الكلام ذاته معجزة لا يحيط بها العقل البشرى ! كيف تم للبشر أن ينطقوا بلغة ذات رموز وتراكيب ؟ كيف تأتى للأصوات المبهمة أن تكون ألفاظا محددة ، وكيف تم للألفاظ أن تعبر عن المعانى ..وكيف تعددت اللغات التى تعبر عن ذات المعانى ما بين شعب من البشر وشعب ، وكلهم"نوعه"واحد ، يعانى تجربة واحدة هى تجربة الحياة في هذه الأرض ؟!

وهذه المعانى .. هذه الأفكار المجردة .. كيف تمت ؟

وعملية التفكير ذاتها ..وعملية التذكر .. كيف تتم هذه وتلك ؟

وكيف"ينمو"هذا كله مع نمو الطفل .. كيف تنمو قدرته على الكلام ، وقدرته على التفكير والتذكر؟

وكيف اختص"الإنسان"- دون مقدمات من الكائنات الأدنى منه -بخاصية التفكير المجرد ، وخاصية الرمز للأفكار بالكلمات ذات الأصوات والحروف والمقاطع ، وخاصة الإبداع المادى والمعنوى ، فصارت له حضارة وصار له تاريخ ؟!

ثم .. ذلك الجانب الآخر من"الحياة"الذى يسمى"الموت"

ما سره ؟ وكيف يحدث ؟ من الذى يملكه ؟

إن الطفل - لفرط حيويته - يتخيل الوجود كله"حيا"مثله .. ويتخيل أن الحياة هى الأمر الطبيعى لكل الأشياء .. فيتعامل مع اللعبة التى يلعب بها ، كما يتعامل مع الباب والنافذة والكرسى والعصا على أنها كائنات حية ، تفهم عنه لغته التى لم تتبلور بعد ، وتتجاوب معه وإن لم تنطق بحرف !

ثم ينمو إدراكه ويعرف بطبيعة الحال أن هناك أحياء حقيقيين ، وأشياء أخرى لا حياة فيها ، كان هو يخلع الحياة عليها في طوره السابق ، واليوم يعلم أنها لا تتحرك من ذات نفسها ولا تأكل ولا تشرب ولا تتغير حالها كما تتغير أحوال الأحياء ، ولكنه من فرط حيويته لا يزال يخلع عليها الحياة وهو عالم بأنها غير حية في حقيقتها ، ويكلمها ويتخيل أنها ترد عليه ، ويضربها أو يربت عليها ، ويتخيل أنها تتألم وتبكى أو تسر وتفرح ، كما يتخيل الشاعر فيما بعد وهو يكلم الأطلال ويستوحيها ويناجى"الطبيعة"ويتخيل أنها ترد عليه !

ثم ينضج في يوم من الأيام حتى يدرك إدراكا لا لبس فيه أن هناك فارقا حاسما بين الأحياء وغير الأحياء من الكائنات ،ولكنه بعد يفترض أن الحياة دائمة في الأحياء كما أن الجمود دائم في الجوامد من الأشياء .

ولكنه ذات يوم يفاجأ بحقيقة الموت ، وبأن"الحياة"ليست دائمة عما كان يظن . ذلك حين يموت أمامه كائن حى يعرفه ، سواء كان القطة التى كان يلهو بها ن أو العصفور الذى يراه يقفز فوق الأغصان ن أو قريبا له كان يحبه ويتعلق به .. وعندئذ تفعل المفاجأة فعلها في نفسه ، فتهزه من أعماقه وتثير الأسى في قلبه .. ويظل التأثر بالموت يصاحبه كلما جد له داع من دواعيه .. حتى يأخذ دوره في الركب الراحل عن الحياة ..

وتظل الظاهرتان معا ، ظاهرة الموت وظاهرة الحياة ، تهزان كيانه ، وتبعثانه يتساءل: من وراء ذلك ؟ من وراء الحياة يخلقها بكل مظاهرها ، ومن وراء الموت الذى ينهى الحياة ويقف دفعتها عن السريان ؟! ويهتدى فيعرف الله على حقيقته ن وأنه هو المحيى المميت ، أو يضل فينسب الحياة إلى مصدر والموت إلى مصدر آخر كما يفعل"الدهريون"، أو ينسبهما معا إلى آلهة أخرى غير الله . وكلنه يعلم - على الأقل - أن واهب الحياة هو خالق الخلق فيتعبده ويترضاه .

ويتلقى الحس البشرى إيقاعات كذلك من جريان الأحداث من حوله .

فهذا الوجود حوله ليس ساكنا في أى حالة من حالاته .

فهناك الليل والنهار حركة يومية دائبة تنقل الأشياء كلها منا لنور إلى الظلمة ومن الظلمة إلى النور ، وهناك دورة الفلك حركة سنوية دائمة تنقل الأشياء كلها من الربيع إلى الصيف ، ومن الصيف إلى الخريف ومن الخريف إلى الشتاء ومن الشتاء إل الربيع ، مع ما يصحب ذلك من اختلاف مستمر في الحرارة والبرودة والجفاف والرطوبة واخضرار الزرع وجفافه وإيناعه وإثماره ونضجه وسقوطه ، واختلاف مستمر في نشاط الإنسان وأحواله بما يناسب الجو وأحواله والعمل وأحواله .

وهناك حركة الحياة والموت في الأحياء لا بوصفها"ظاهرة"ولكن بوصفها حركة تنتج عنها أحداث . هذا يولد وهذا يموت ، وهذا يكون صغيرا فينمو ، وصحيحا فيمرض أو مريضا فيصح . وهذا غنى فيفتقر أو فقير فيغنى . وتدول دول وتولد أخرى ، وتحدث حروب وسلم ، وهزيمة ونصر ، ورفع في مكانة الناس وخفض ، وتقدم وتأخر ، وعز وذل ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت