فهرس الكتاب

الصفحة 15909 من 27364

وتشد الأحداث انتباه الناس وتهزهم ، فيروحون يتساءلون: هل هناك"رابط"بين الأحداث ؟ وهل هناك"نظام"؟ أم إنها تحدث كيفما اتفق ؟ وهل وراءها غاية أم يسير الوجود كله بلا هدف ولا غاية ؟ وما الغاية إن اكن هناك ؟ ومن صاحب الغاية ؟ ومن يدبر الأحداث ؟ ويهتدى الإنسان إلى الحقيقة ، فيعلم أن مدبر الأحداث هو خالق الكون ، وأنه يجرى الأحداث بمشيئته وقدره ، وأن له حكمة من وراء ذلك يعلمها البشر أحيانا ويجهلونها أحيانا .. أو يضل فلا يعرف الغاية ولا يعرف الحكمة ويحسب الأمور تجرى خبط عشواء .. ولكنه في كل حالة يعلم أن هناك مشيئة تجرى بمقتضاها الأحداث ن وأنها ليست مشيئة البشر إنما مشيئة كائن أعلى من البشر ، فيشعر نحوه بالرهبة وقد يشعر نحوه بالإجلال ..

ويتلقى حس الإنسان إيقاعات"ذاتية"دائمة من شعوره الدائم بالعجز .. يولد الطفل عاجزا تمام العجز لا يقدر على شئ .. ولولا رعاية الذين يحيطونه وإمدادهم له بالغذاء وقضاؤهم له حاجاته ما استطاع أن يعيش . رويدا رويدا يقدر على شئ من الحركة وهو محمول في حضن والديه أو المكلفين برعايته ، حتى يستطيع في وقت من الأوقات أن يجلس مستقلا بعض الشئ . وفى اللحظة التى"يقدر"فيها على الجلوس يحس"بالعجز"عن المشى ! ويجاهد حتى يتمكن أخيرا من الحبو على الأرض .

وفى اللحظة التى يقدر فيها على الحبو يحس بالرغبة في الوقوف والعجز عن تحقيق تلك الرغبة ! وفى مرحلة تالية يتمكن من الوقوف ولكنه يحاول المشى فيقع على الأرض ويحس بالعجز عن تحقيق ما يريد .. وتمضى الأيام والسنون فيمشى ويجرى ويخرج إلى الطريق ويتعلم العلم ويحس"بالقدرة"على أشياء كثيرة لم يكن يقدر عليها من قبل ..

فهل تنقضى رغباته ؟ وهل يكف عن الشعور بالعجز ؟

كلا ! إنه هكذا ركب في طبيعته .. كلما حقق حلما راح يشتاق جديدا ، ولم يقنع بما وصل إلى تحقيقه بالفعل ، حتى حين ركب الصاروخ ووصل إلى القمر ونزل على سطحه .. حتى حين سيطر على كثير من شئون البيئة من حوله ونظمها حسبما يريد .. حتى حين اخترع من الآلات ما صار يحقق في جزء من الثانية ما كان يستغرق منه الساعات والأيام والشهور ولا يحكم تنفيذه .. حتى حين وصل إلى ذلك كله فهل رضيت نفسه ، وقال: لقد حققت وجودى كاملا فما أرغب المزيد ؟!

كلا ! إنه يريد في حقيقة الأمر شيئا لا يقدر عليه ، ويحس"بالعجز"الدائم عن تحقيقه ، يريد أن يسيطر على الكون . يريد أن يقول للشئ كن فيكون !

ويعلم الإنسان في دخيلة نفسه أنه عاجز عن تحقيق ذلك . وأنه مهما أوتى من القدرة والسيطرة على بعض جوانب الوجود ، فإن بينه وبين السيطرة الحقيقية التى يحلم بها أمدا لا يمكن بلوغه ، لأن مدى قدرته محدود بحدود ، ومدى عمره محدود بحدود ، ومدى تمتعه - في عمره المحدود - بالصحة والقوة والنشاط والقدرة محدود بحدود !

وهكذا يشعر الإنسان بالعجز كلما شعر بالقدرة ! ولا يصفو له قط الشعور بالقدرة الكاملة التى يحكم بها في كل مراحل عمره ، فضلا عن ـأنواع العجز التى يعلم أنها مفروضة عليه لا محالة ، ومن بينها الموت الذى يعجزه عن الخلود !

ومن شعور الإنسان بالعجز الدائم الذى يلاحقه حتى آخر لحظة من حياته يلتفت الحس البشرى إلى الكائن لا يعجزه شئ في السماوات ولا في الأرض !

كل شئ يعجز عنه هو يقدر عليه ذلك الكائن الذى لا يعجزه شئ !

الخلق من العدم بادئ ذى بدء ، والسيطرة المطلقة على كل شئ ،والتسخير المطلق كل شئ ، والقوة التى لا يقهرها شئ وهى تقهر كل شئ ، والمشيئة التى تحقق كل شئ في لمح البصر لأنها تقول للشئ كن فيكون ..

والخلود الأولى الأبدى صفة يتفرد بها ذلك الكائن الذى لا يعجزه شئ .. وكل ما عداه يفنى ويزول ..

عندئذ يتحول الحس إلى ذلك الكائن الذى قدرته لا تحد .. فيهتدى ، ويعرف الله على حقيقته ويعبده حق عبادته ؛ أو يضل فيظن ذلك الكائن هو الشمس أو القمر أو النجم أو الروح القاطن في الوثن الذى ينحته بيديه .. ولكنه يعلم في كل حالة أنه هناك . أنه موجود ، وأنه إله ، وأنه معبود ، فيتقدم إليه بالشعائر ، ويلتزم نحوه بلون معين من السلوك .

رغبة أخرى من رغبات الإنسان لا تقل عمقا في نفسه عن رغبة السيطرة ورغبة الخلود ، يحس فيها الإنسان بالعجز المطلق الذى لا تحده حدود ، تلك هى رغبته في استكناه الغيب !

الرغبة في معرفة الغيب قديمة قدم الإنسان على الأرض ..وستظل تصاحبه طالما كان هناك بشر يعيشون في الأرض !

يريد الإنسان أن"يطمئن"على حياته .

كيف سيعيش ؟

هل يسلم من الأحداث ؟

هل يستمتع بالقوة والصحة والنشاط والحيوية فيما قدر له من العمر ؟

هل يحقق أحلامه ؟ يتزوج ويسعد ويحصل على الثروة والجاه .. أو يكون بطلا مجاهدا .. أو يكون زعيما قائدا .. أو ..

ماذا يكسب غدا ؟

بأى أرض يموت ؟

عشرات من التساؤلات ومئات .. يريد أن يعرفها"ليطمئن"..

ويروح يستكنه الغيب فلا يقدر ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت