فهرس الكتاب

الصفحة 15910 من 27364

لا غيب السنوات القادمة ولا الشهور ولا الأيام .. بل غيب الساعات القليلة القادمة .. بل غيب اللحظة المقدمة عليه ، التى دخل أولها من الباب وما زال آخرها محجوبا بحجاب !

كيف يقدر والغيب وراء الأستار ؟!

هل تنزاح الأستار ؟!

يمضى الإنسان - في جاهليته - نحو الكاهن والعراف ، يستلهمه أمر الغيب ، ويتعلق بكل كلمة تخرج من شفتيه كأنها أسرار الغيب الحقيقى .. ولكن .. هل يستيقن ؟ هل"يطمئن"؟

وحين يهتدى يعرف أن الكاهن والعراف والمنجم وضارب الرمل والشياطين والجن كلهم محجوبون مثله عن الغيب ، فكيف عن لطب الغيب منهم ، ولكن هل تغادره الرغبة في أن يعلم سر الغيب ، ويطمئن على نفسه ومن يحبهم من حوله ويخاف عليهم ؟

يروح يتلهم حسه الباطن .. ويستلهم الرؤى .. ويستلهم تلك القوة الخفية في نفسه التى تقدر على الاستشفاف .. ولكن هل يستيقن ؟ هل"يطمئن"؟

كلا ! إنه يشعر بالعجز الكامل عن النفاذ وراء الأستار ، ويظل الغيب المحجوب ملفعا بالحجاب ..

عندئذ يتحول الحس إلى الكائن الذى لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ، لأنه هو العليم بكل شئ ، وهو خالق الأحداث والأشياء وكل شئ سائر بمشيئته وحده لا بمشيئة أحد سواه .

ويهتدى فيعرف أن الله الحق علام الغيوم ، أو أو يضل فيظنه كائنا آخر .. ولكنه يعلم دائما أن أسرار الغيب مكشوفة للكائن العلوى الذى يخلق ويبدع وينتهى إليه مصير كل شئ ، فيعبده لونا من العبادة ، ويلتزم نحوه بلون من السلوك .

تلك بعض منافذ الفطرة التى تتلقى إيقاعات الكون والحياة ، فتستيقظ من غفلتها إن كانت غافلة ، فتروح تبحث عن الله سواء اهتدت إلى الله الحق أم ضلت في الطريق ..

لذلك فإن لفطرة دائما تعرف وجود الله ، وتؤمن به في داخل أعماقها ، وإن ضلت عن الهدى فتصورت الله على غير حقيقته أو أشركت به آلهة مزعومة ليس لها وجود .

أما أن تنكر الفطرة وجود الله أصلا ، وتقول إن الخلق قد وجد بلا خالق .. فبدعة في الضلال غير مسبوقة في التاريخ .

صحيح أن الحس البشرى بحكم الإلف أو العادة يتبلد ..

يتبلد على المنظر المكرور فلا يعود يهزه كما هزه أول مرة . ويتبلد على المعنى المكرور أو الحدث المكرور فلا يعود يستجيش مشاعره كما استجاشها أول مرة . فيعيش في وسط الآيات غافلا عن دلالتها ، ويموت قلبه فلا يتحرك لمعنى الألوهية كما ينبغى له أن يتحرك .. فيعيش كما تعيش السائمة:

{كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ (179) } [سورة الأعراف 7/179]

وصحيح أن البشرية حين يطول عليها الأمد"تتعب"من الإيمان بما لا تدركه الحواس ، وتتجه إلى المحسوس ، فتنشئ آلهة محسوسة تعبدها من دون الله أو تعبدها مع الله ، في صورة أوثان وأصنام ، أو في صورة بشر ، أو في صورة أفلاك .. وذلك لأن الإيمان بما لا تدركه الحواس يستلزم أن يكون الإنسان في وضعه الطبيعى - أو الفطرى - كما خلقه الله ، تعمل كل أجهزته في وقت واحد ، فتعمل أجهزة الإدراك الحسى جنبا إلى جنب مع أجهزة الإيمان المعنوى أو الإيمان بما ا تدركه الحواس ، عملا فطريا طبيعيا متناسقا ينتج عنه الإيمان بالله عن طريق رؤية آياته في الكون ، والإيمان به إيمانا مباشرا عن طريق الروح ، فيعمق كل منهما الآخر فيصل إلى درجة اليقين .

فإذا طال على البشرية الأمد يحدث"هبوط"فى كيان الإنسان ، يعطل أجهزة الإدراك المعنوى تعطيلا جزئيا أو كاملا ، وتبقى أجهزة الإدراك الحسى هى التى تعمل ، وعلى قدر الهبوط يكون نوع الشرك ودرجته .. فيظل صاحبه مؤمنا بالله ويشرك به آلهة محسوسة ، أو يؤمن بالآلهة المحسوسة وحدها من دون الله.

وصحيح أن البشرية في حالة هبوطها تجنح إلى ثقلة الأرض فتشدها الشهوات إلى أسفل ، فتتفلت من تكاليف الدين والتزاماته . تتفلت من"قيد الإنسان"الذى تصاحبه"حرية الإنسان"، وتجنح إلى"حرية الحيوان"التى تصاحبها قيود الحيوان" (1) "ولكنها - في مبدأ أمرها على الأقل - تحب أن تسند هذا التفلت بأمر شرعى !

{وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} [سورة الأعراف 7/28]

ورويدا رويدا تحتاج إلى اختراع آلهة تسند إليها ذلك التفلت ، من البشر أو غير البشر ، تتخذ أربابا مع الله أو من دون الله:

{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) } [سورة التوبة 9/31]

(1) ""انظر الفصل القادم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت