فهرس الكتاب

الصفحة 15911 من 27364

وصحيح أن الطغاة في الأرض يضيقون بالقيد الربانى الذى يجعلهم عبيدا لله ككل العبيد ، خاضعين لأمره منفذين لشريعته ، ويريدون أن يكون لهم السلطان الطاغى في الأرض ، ويريدون أن يكون الولاء لهم لا لله . فيضيقون دائما بديانة التوحيد ، وبإخلاص العبادة ه وحده ، فيفرضون أنفسهم بالقوة الغاشمة وبالإرهاب أربابا من دونا لله أو مع الله ، هم الذين يشرعون ، وهم الذين يفرضون التشريع ، وهم الذين يعاقبون"عبيدهم"إذا خرجوا على ذلك التشريع .

وفى هذه الحالات كلها يقع الشرك الذى تجنح إليه البشرية كلما ضلت الطريق . ولكنها في كل حالاتها السابقة لم تكن تنكر وجود الله .

وحتى فرعون حين قال لموسى عليه السلام {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) } [سورة الشعراء 26/23]

وحين قال لهامان: {يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً} [سورة غافر 40/36-37]

وحين قال لقومه: { مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [سورة القصص 28/38]

وحين قال قال لهم: {أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى (24) } [سورة النازعات 79/24]

لم يكن ينكر وجود إله خالق لهذا الكون ، ولم يكن يقصد أنه هو الإله الخالق ، والدليل على ذلك قول الملأمن قومه له:

{أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} [سورة الأعراف 7/127]

فقد كان له هو إله يعبده ، هو الذى يؤمن بأنه خالق السماوات والأرض وخالق الكون كله" (1) ". وعلى الرغم من أنه - كما سجلت الآثار الفرعونية - كان يدعى"الإله ابن الإله"وكانت تقدم له شعائر التعبد من ركوع وسجود كما كانت تقدم لقيصر وكسرى ، إلا أن ألوهيته وبنوته للإله الأكبر كانت في حسه كما هى في حس"الجماهير"من قومه ألوهية مجازية لا حقيقية . وكان يقصد من أقواله لموسى وهامان ولقومه أمرين في آن واحد . الأمر الاول أن الإله الذى يتحدث عنه موسى ، ويقول إنه مرسل من عنده ، ويعطى نفسه بناء على ذلك سلطانا يأمر به فرعون وينهاه ، ويطلب منه أن يطلق سراح بنى إسرائيل . هذا الإله الموجود حقيقة هو الإله الذى يعبده هو وقومه ، وينحتون له التماثيل ويرسمون له الرسوم ، الإله المحسوس الذى تعبده الجاهلية هبوطا منها عن الإيمان بما لا تدركه الحواس ، والأمر الثانى - وهو مشتق من الأول - أنه يقول لقومه خاصة: ما علمت لكم من سلطة تأمر فتطاع إلا سلطتى ، فأطيعونى ولا تطيعوا ذلك الخارج على سلطانى ، الذى يزعم أنه صاحب الكلمة التى ينبغى أن تطاع !

وحتى النمرود حين حاج إبراهيم في ربه يرى نفسه ملكا ذا سلطان وإبراهيم فرد من أفراد"الشعب"لا يحق له أن يناقش صاحب السلطان ولا يامره ولا ينهاه .. لم يكن يعتقد أنه هو الإله الخالق ، إنما كان يصدر عن كبر أجوف بإزاء إبراهيم عليه السلام ، ولكن في حماقة أشد من حماقة فرعون الذى كان يعلن على الملأ أن له إلها يعبده هو وقومه .. أما النمرود فقد جره الاستكبار على إبراهيم إلى الادعاء بأن له سلطانا في الأرض يشبه سلطان الله ، وأنه - مثل االه - يحيى ويميت ! حتى حاجه إبراهيم عليه السلام فأخرسه:

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} [سورة البقرة 2/258]

وهذا الشرك - الذى ينجم عن مثل الأسباب التى ذكرناها في الفقرة السابقة - هو الذى يبعث الرسل لتقويمه وتصحيحه ، ويوقع الوحى الربانى على ذات الأوتار التى خلقها الله في الفطرة ،وجعلها تعتز لإيقاعات الكون والحياة ، فتستيقظ من غفلتها إن كانت غافلة ، وتروح تبحث عن الله لتعبده وتخشاه .

فعن الكون بضخامته المعجزة ودقته المعجزة وما يحدث فيه من حركة معجزة يقول الوحى الربانى:

{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) } [سورة البقرة 2/164]

{إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) } [سورة الأعراف 7/54]

(1) ""هو الإله"آمون"الذى يرمزون له بقرض الشمس .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت