فهرس الكتاب

الصفحة 15950 من 27364

وفي ذلك رد على بعض الدعاة والكتاب المعاصرين المصابين بلوثة الهزيمة النفسية والفكرية الذين يحاولون تزلفا مداهنة القومية والقوميين العرب على اعتبار أن ما كان من خلاف وتنافر بين الإسلام والإسلاميين من جهة وبين العروبة أو القومية والقوميين العرب من جهة ثانية لم يكن مبررا وليس له داع إذ لا تعارض بين الإسلام والعروبة، ولا بين الدعاة إلى الله تعالى وبين الدعاة إلى القومية العربية أو العروبة .. فكل منهما حاضن للآخر .. لذا فإن المعركة القديمة الحديثة بين الطرفين لا بد من أن تهدأ وتزول، ليحل مكانها التلاقي والوئام!

كثير من الدعاة والكتاب المعاصرين ـ عن قصد أو غير قصد ـ لا يفرقون بين العرب والعربي والعربية وبين العروبة، ولا بين الوطن والموطن وبين الوطنية، ولا بين العشيرة أو القبيلة وبين العشائرية أو القبلية، ولا بين الناس، والإنسان، وكرامة الإنسان وحقوقه وبين الإنسانية كشعار ومبدأ يغيب عقيدة الولاء والبراء في الله .. فيخلطون بينهما عند الحديث عنهما وكأنهما شيء واحد في الدلالة والمعنى، فيخلطون بذلك حقا مع باطل .. فيضلون ويضلون!

تراهم يستدلون بالأدلة الدالة على شرعية مصطلح ومعنى العرب، والعربي، والعربية على شرعية مصطلح ومعنى العروبة الدال على معاني التعصب القومي المقيت والمذموم .. !

وتراهم يستدلون بالأدلة الدالة على شرعية مصطلح ومعنى الوطن، والموطن، وحب الديار وموطن المنشأ على شرعية مصطلح ومعنى الوطنية الدال على العبودية للوطن من جهة عقد الموالاة والمعاداة، وكذلك الحقوق والواجبات على أساس الانتماء لحدود الوطن .. وتغييب وإلغاء كل ولاء وبراء يتعارض مع الولاء الوطني .. كما هو مشاهد في كثير من الأمصار!

وتراهم كذلك يستدلون بالأدلة الدالة على شرعية مصطلح ومعنى العشيرة أو القبيلة على شرعية مصطلح ومعنى العشائرية أو القبلية التي تعني عقد الموالاة والمعاداة، والحقوق والواجبات على أساس الانتماء القبلي العشائري .. !

وتراهم كذلك يستدلون بالأدلة الدالة على شرعية مصطلح ومعنى الإنسان، وكرامة الإنسان وحقوقه على شرعية مصطلح ومعنى الإنسانية كمبدأ يعلن الموالاة والمؤاخاة بين الإنسانية جمعاء بغض النظر عن اعتبار العقيدة والدين .. وميزان التقوى وأيكم أحسن عملا .. وهذا من التلبيس والتضليل الذي ينبغي أن نحذره ونحذر منه .. وهو كذلك علامة على حجم الهزيمة النفسية الفكرية التي يعاني منها أولئك الدعاة أو الكتاب أمام التيار القومي العروبي المهترئ المتآكل التي لم تجن الأمة منه إلا الذل والهزيمة، والتخلف والدمار!

الاتجاه القومي العروبي ـ منذ قرابة القرن وإلى الساعة ـ إضافة لما جلبه على الأمة من ذل وهزائم، وتخلف ودمار فهو ـ بحكم مناقضته لعقيدة الأمة ودينها ـ لم يستطع أن يحقق شيئا

من أهدافه التي ملأ بها الدنيا ضجيجا وعويلا .. !

لا على المستوى الوحدة العربية قد حققوا شيئا .. بل هم من تفرق وتشرذم إلى آخر، ومن ضعف إلى آخر [5] !

ولا على مستوى التضامن العربي والدفاع العربي المشترك قد حققوا شيئا .. فهم بعضهم على بعض أعداء ألداء أكثر مما هم على أعداء الأمة من خارجها .. بل هم يد مع العدو الخارجي المستعمر على بعضهم البعض!

ولا على مستوى التضامن الاقتصادي والتكافل الاجتماعي العربي كذلك قد حققوا شيئا .. فهم من تخلف إلى تخلف، ومن فقر إلى فقر .. ومن جهل إلى جهل!

ولا على مستوى تحرير البلاد المغتصبة في فلسطين وغيرها قد فعلوا شيئا .. بل هم من خيانة إلى خيانة .. ومن هزيمة إلى أخرى .. إلى أن أوصلوا الأمة إلى موصل لا تحسد عليه!

ومع كل ذلك وبعده نجد بعض الكتاب المعاصرين من ذوي الاتجاه الإسلامي يمدون لهم ـ بعد أن أذلهم الله وأخزاهم ـ حبلا من القوة والحياة بمداهنتهم، والاعتراف بشرعيتهم وشرعية حكمهم وتوجههم القومي .. على اعتبار لا تعارض بين العروبة والتوجه القومي وبين الإسلام، وأن المعركة بينهما مفتعلة لا مبرر لها!

{كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا}

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

[عبد المنعم مصطفى حليمة؛ أبو بصير الطرطوسي > 5/ 3/1424]

[1] صحيح سنن الترمذي: 3084.

[2] حتى في هذه الأيام حيث ما من موقعة ولا ساحة يُعلن فيها الجهاد إلا ويفزع لها نخبة من شباب العرب المسلم المجاهد ملبين نداء الجهاد في سبيل الله متحدين الصعاب الجمة التي تعترض مسيرتهم وحركتهم وجهادهم .. وما أن يعلم العدو أن في الساحة مجاهدين من العرب إلا وتراه يحسب لواحدهم ألف حساب لما يرى منهم من الشجاعة، والرجولة، والإقدام!

[3] مما يدل على ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه عن ابن مسعود قال:"إن الساعة لا تقوم حتى لا يُقسَمَ ميراث ولا يُفرح بغنيمة، ثم قال بيده هكذا ونحَّاها نحو الشام، فقال: عدو يجمعون لأهل الإسلام ويجمع لهم أهل الإسلام. قلت: الروم تعني؟ قال: نعم."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت