فهرس الكتاب
قال تعالى:"وأنّ هذه أمّتكم أمّة واحدة وأنا ربكم فاعبدون"وقال الرسول صلى الله عليه وسلم"ليس منّا من دعا إلى عصبيّة، وليس منا من قاتل على عصبيّة وليس منا من مات على عصبيّة".
من منطلق الآية الكريمة والحديث الشريف، حثّ الإسلام على ترك الروابط الجاهليّة، وجعل القوميّة والعصبيّة لله ورسوله، لا لشعب معيّن أو لجنس معيّن أو لغة أو لون، وجمع الناس على كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، فجعلها هي القوميّة وهي العصبيّة وهي الجنسيّة وهي العقيدة التي من أجلها يحبون ومن أجلها يبغضون ومن أجلها يحاربون ومن أجلها يسالمون وبها يعيشون وعليها يموتون. وبذلك صهر الأمم كلّها في أمة واحدة ومعسكر واحد هو معسكر الإيمان بالله ورسوله في مقابل معسكر الكفر والجاهليّة، وقد استطاعت هذه الأجناس كلها أن تصنع حضارة عظيمة هي الحضارة الإسلاميّة التي لم تكن يوماً عربيّة ولا تركيّة ولا فارسيّة بل كانت دائماً إسلاميّة.
فزع أعداء الإسلام من الوحدة الإسلامية وسعوا إلى تمزيقها بشتى الوسائل، قال وزير المستعمرات البريطانيّة المدعو اورمس غو: إن الحرب علّمتنا أن الوحدة الإسلاميّة هي الخطر الأعظم الذي ينبغي أن نحاربه.... ومن دواعي فرحتنا أن الخلافة الإسلاميّة زالت.... إنّ سياستنا تهدف دائماً وأبداً إلى منع الوحدة الإسلاميّة أو التضامن الإسلامي.
وفي هذه الأثناء كانت فكرة القوميّات والعرقيّات تشيع في أوروبا مع أفكار مارتن لوثر وكلفن وتمزقها إرباً بعد أن كانت الرابطة هناك تقوم على أساس الدين، وكانت وراء فكرة القوميّة قُوى يهوديّة تهدف إلى تدمير النظام النصراني الاجتماعي الذي كان يقوم في أوروبا على عزل اليهود وتمييزهم واضطهادهم ومنعهم من السيطرة على المراكز الأساسيّة الكبرى في المجتمع الأوروبي، وهنا أظهر اليهود فكرة القوميّة التي ترمي إلى إعلاء شأن الوطن والجنس لإخفاء الفرق بين النصراني واليهودي من ناحية الدين، وأصبح لليهودي نفس حقوق النصراني تحت مظلّة القوميّة.
وتحولت القوميات هناك إلى دين وعقيدة حتى أن ّالألمان حينما أحيوا الآريّة وتعصّبوا لها نظروا إلى الدين النصراني وإلى المسيح كأنه أجنبي عنهم فهو من الجنس السامي وقال أحدهم: ينبغي أن يكون إلهنا أيضاً ألمانيّاً..!!!
وهنا فكر أعداء الإسلام في نقل النزعات القوميّة والعرقيّة للعالم الإسلامي بهدف تمزيقه، فأخذوا يدعون إلى إحياء القوميّة الطورانيّة في تركيا والقوميّة الفارسيّة في إيران والقوميّة العربيّة في العالم العربي والقوميّة البربريّة في المغرب العربي، وجنّدوا لهذه الدعوات رجالاً من بني قومنا وجلدتنا ولكنّهم رضعوا من لبن الغرب وتربّوا على موائده.
استطاع أعداء الإسلام إلى حد كبير إحلال القوميّات محل الدين، وهذا ما كان يحلم به لورنس مُنفّذ سياسة بريطانيا أثناء الحرب العالميّة الأولى حيث قال: وأخذتُ طول الطريق أفكر وأتساءل: هل تتغلّب القوميّة ذات يوم على النزعة الدينيّة؟؟ وهل يغلب الاعتقاد الوطني الاعتقاد الديني؟!!
لقد عجزت كل القوميّات بما فيها العربية والاشتراكية العلميّة والشيوعيّة الماركسيّة وكل الشعارات الجوفاء عن جمع العرب وعجزت عن أن تمدّهم بالنصر وهم يواجهون أجبن خلق الله وأحقرهم وأضعفهم، لأن سلاحهم كان سراباً، لقد كان سلاح العرب هو القوميّة العربيّة والمجد العربي، و والله الذي لا إله غيره لو كان سلاحهم القوميّة الإسلاميّة والعصبيّة لله ورسوله لكان للعرب شأن آخر، ورحم الله الفاروق الأعظم والقائد المُلهم عمر بن الخطاب حين قال وكأنه يصف الداء والدواء:
نحن قومٌ أعزّنا الله بالإسلام .. ومهما ابتغينا العزّة بغيره.. أذلّنا الله ..!!!