فهرس الكتاب

الصفحة 16003 من 27364

وفي إطار موجة التأثر في العالم الإسلامي بالأفكار الغربية ظهرت الفكرة القومية في أوائل القرن العشرين مطلباً أساسياً روجت له النخبة العلمانية في العالم الإسلامي، وكان نفوذ هذه النخبة يتعاظم مع تعاظم التفوق الغربي في المجال المادي وتراجع دولة الخلافة الإسلامية ـ الدولة العثمانية؛ إذ إن الفكرة المهيمنة على عقول النخبة المتغربة في هذا الوقت: إنه لكي نحقق الإصلاح والتقدم في العالم الإسلامي لا بد من انتهاج خط الغرب، ونسي هؤلاء أن ما يصلح في مجتمع ويُنتج خيراً قد ينتج خبيثاً في مجتمع آخر؛ لأنه لا يوجد مجتمع واحد وإنما مجتمعات؛ ومن ثم فلكل مجتمع خط إصلاح مختلف، وكما يقول «زين نور الدين زين» في كتابه الهام: (نشوء القومية العربية) : في الغرب كانت القومية السياسية جزءاً من حركة علمنة الحضارة المسيحية، وأسفرت المعركة بين القومية والمسيحية عن انتصار القومية، أما في الشرق العربي فالإسلام لا يزال عميق الجذور؛ فلم تستطع الأفكار القومية أن تحدث ثغرة فيه؛ بل استطاع الإسلام أن يقف في وجه كل محاولة للعلمنة، والمسيحيون القلائل وإلى جانبهم قلة قليلة من المسلمين ممن كانوا يحلمون بإنشاء دولة عربية علمانية تقوم على حدود جغرافية وطنية معينة لا على أساس ديني لم يلقَوْا تشجيعاً ولا تعضيداً من قِبَل غالبية سكان البلدان الإسلامية».

بدأت الحركة القومية تعبيراً رومانسياً في أواخر القرن التاسع عشر عبر عنه أدباء ومفكرون مسيحيون من لبنان مثل «بطرس البستاني» و «أحمد فارس الشدياق» و «إبراهيم اليازجي» و «أديب إسحاق» و «شبلي شميل» وغيرهم، وكانوا جميعاً مرتبطين بالإرساليات النصرانية الغربية، وهؤلاء عملوا على إبراز تاريخ العرب قبل الإسلام وإثارة الشعور القومي العربي، وهؤلاء هم الذين فَصَلوا في العصر الحديث بين العروبة والإسلام فتابعوا فعل الشعوبية في العصر العباسي الأول، ويعترف «صليب كوراني» بذلك فيقول: «الأثر الأول للحضارة الغربية في الحياة العربية بعث القومية العربية، وقيام الحركة الاستقلالية التي تشمل العالم العربي في الوقت الحاضر، وكانت هذه الحركة نتيجة مباشرة للتعليم الغربي» .

ثم بدأت الحركة القومية العربية في طور العمل السياسي ممثلة في جمعية (بيروت السرية) التي كان طلبتها من خريجي الكلية البروتستانتية، وكانوا كلهم نصارى، ثم بدأ المسلمون ينضمون إليها.

وبدأت الجمعيات السرية والعلنية القومية المطالبة بإصلاح الوضع في الدولة التركية مطالبة بحق العرب في الحصول على حقوق سياسية وثقافية في إطار الدولة التركية؛ وكان التطرف القومي التركي الذي مثلته جمعية «الاتحاد والترقي الحاكمة» هو الذي أدى إلى ظهور تيار قومي عربي؛ لكنه لم يكن مطالباً بتفكيك الدولة ـ وكما يقول زين نور الدين زين: «إن فكرة الانفصال العربي عن الدولة العثمانية لم تظهر إلا في إطار التطرف القومي للاتحاد والترقي بعد عام 1909م» ، وإبَّان الحرب العالمية الأولى، ومع انضمام تركيا إلى ألمانيا بدأت بريطانيا توظف رغبة العرب في الانفصال عن تركيا بقطع عهود على نفسها بإقامة خلافة عربية على رأسها الشريف حسين إذا هم ساعدوا الحلفاء في الحرب، وبعد مساعدة العرب المخلصة للحلفاء وحربهم تركيا ـ وكانوا سبب هزيمتها ـ خدعتهم بريطانيا، وقُسِّمت الدول العربية في الاتفاق المعروف باسم: (سايكس ـ بيكو) .

في كل الفترات التي ظهرت فيها القومية قبل الحرب العالمية الأولى كان للنصارى وللأيدي الغربية ولسفارات الدول الأجنبية المعادية للدولة العثمانية دور في تحريك الحركات القومية بقصد تفتيت الدولة العثمانية، ويلاحظ أن القومية في المشرق كانت ترفع راية العروبة حتى تقضي على الدولة العثمانية لصالح الإنجليز؛ حيث كانت الدول المشرقية لا تزال ضمن الدولة العثمانية؛ أما في مصر فإن الإنجليز شجَّعوا الدعوات الطائفية كالفرعونية والمصرية، ولم يسمحوا للعروبة بالظهور؛ لأنها ستكون ضد المصالح البريطانية.

القومية بعد الاستقلال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت