فهرس الكتاب

الصفحة 16004 من 27364

الجامعة العربية هي صنع بريطانيا؛ لأنها خشيت أن تقوم رابطة قوية للعرب تهدد مصالحها؛ فعملت على إيجاد الجامعة العربية كياناً يحمل بذور فنائه في تكوينه وبنيته، وفي عام 1948م ومع ظهور التحدي الصهيوني في فلسطين هُزمت الجيوش العربية مجتمعة، وبدأ الوعي بأهمية وجود عالم عربي موحد، لما هو مقرر دولياً من حق كل شعب في أن يكون له دولته السياسية التي تعبر عنه، ومع بزوغ دولة ما بعد الاستعمار طرح الفكر القومي مشروع الوحدة العربية استناداً إلى وجود اللغة والتاريخ والمصير المشترك، لكن الوحدة (المصرية ـ السورية) عام 1958م انحلت عام 1961م، ونشبت الخلافات بقوة بين حزب البعث العربي السوري وحزب البعث العربي العراقي، وعقدت اتفاقيات للعمل العربي المشترك مثل معاهدة الدفاع العربي المشترك، والتعاون الاقتصادي عام 1950م، والوحدة الاقتصادية عام 1957م، والاتفاقيات المنشئة للعديد من المنظمات العربية المتخصصة، والاتفاقيات المنشئة للتجمعات الإقليمية الجزئية كمجلس التعاون العربي، والإنماء المغاربي... إلخ.

ولم تستطع القومية العربية أن ترقى إلى مستوى التحديات المنوطة بأمتها فأخفقت في تحقيق الوحدة العربية، كما أخفقت في تحقيق أي مستوى من مستويات التعاون الاقتصادي فلم تحقق التنمية، كما لم تستطع أن تنجز مهمة التحرير والتحدي للهيمنة الغربية وربيبتها الكيان الصهيوني، ولم تفلح كل محاولات الوحدة حتى الجزئية، لكن النهاية الكارثية القومية كانت مع هزيمة يونيو 1967م؛ حيث كانت الهزيمة مفاجأة للقوميين العرب، كما كانت خاتمة أفول القومية العربية، وبدأ الحديث عن وجود خلل في البنية الذاتية للمشروع القومي العربي، وبدأت النزعة القُطرية في التصاعد إلى حد أن الصراعات (العربية ـ العربية) جعلت بعض الدول العربية تستجدي أمنها من دول غربية، وكان الغزو العراقي للكويت عام 1990م قمة المأساة للقومية العربية وللنظام العربي الذي عرف كثيراً من الصراعات؛ لكنها لم تصل إلى حد غزو دولة من دولة لأخرى.

ولم يعد العرب قادرين حتى على اجتماع القمة بوصفها آلية لحل المشاكل المستعصية لهم؛ لأن قرار هذا الاجتماع لم يعد بيدهم وإنما بيد أعدائهم.

تجاوز القومية:

بالطبع فإن الحركة القومية العربية كانت مقصودة من أعداء الأمة الإسلامية ببث الفكر القومي فيها لما للعرب من ثقل بالنسبة للإسلام، ثم انتشرت هذه الفكرة كانتشار النار في الهشيم في كل البلدان الإسلامية. وفي الواقع فإن الفكرة القومية التي تؤسس للرابطة على أساس العرق تؤدي إلى ظهور أفكار طبقية أقل لشعوب داخلها مثل الفرعونية والقبطية والآشورية والفينيقية وغيرها من أفكار ذات طابع تجزيئي وطائفي، ومع التحديات والهزائم التي واجهتها القومية باتخاذها حركة تستبعد الإسلام بدأ الحديث بين القوميين عن العلاقة بين العروبة والإسلام، وبدأت مراجعات واسعة عند القوميين العرب؛ حيث أصبح الإسلام بالنسبة لهم هو مادة العروبة التي لا يمكن أن تنفصل عنه، وكما يقول جميل مطر في مقاله (مستقبل العروبة) : «لم تعد القومية قادرة بظروفها الراهنة وظروف السياسة والسياسيين في العالم العربي على ملء فراغ الفكر السياسي؛ وهو الفراغ الذي تدور فيه النخب السياسية والقوى الحاكمة العربية، وتجر شعوب المنطقة بأسرها لتدور معها في هذا الفراغ المدمِّر» .

ويقول محمد حسنين هيكل: «على مدى خمسين عاماً كانت قضية تحرير فلسطين فكرة ملزمة للجميع؛ فالأمَّة العربية سوف تشعر وكأنها كتلة رخوة تنجذب إلى بؤرتها بالمعتقدات الأساسية للدين، وسوف يعود مزيد من الناس إلى الهوية الأصلية للمنطقة؛ ليست هوية قومية ولا عروبية وإنما هوية إسلامية. إن الإسلام هو مركز الثقل في العالم العربي والإسلامي، ولا يمكن لأي مشروع للنهضة أن يتحقق بدونه، وكما قال الشاعر الألماني (غوته) : «من كان عليه أن يرفع حملاً ثقيلاً فإنه ينبغي عليه أن يعرف مركز الثقل» ، ومركز الثقل في المجتمع العربي هو الإسلام».

المراجع:

1 -محمد محمد حسين، الإسلام والحضارة الغربية، القاهرة، دار الفرقان، د. ت.

2 -محمد محمد حسين، الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، القاهرة، مكتبة الجماميز، ج2، د. ت.

3 -زين نور الدين زين، نشوء القومية العربية مع دراسة تاريخية في العلاقات العربية ـ التركية، بيروت، دار النهار، 1979م.

4 -برهان غليون، المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات، القاهرة، سينا للنشر، د. ت.

5 -أحمد يوسف أحمد، مصر وتجديد المشروع القومي العربي، رؤية ذاتية، بحث مقدم إلى المؤتمر السنوي العاشر للبحوث السياسية، ديسمبر ، 1996م.

6 -أحمد ثابت، تجديد المشروع القومي في الفكر المصري، بحث مقدم إلى المؤتمر السنوي العاشر للبحوث السياسية، ديسمبر ، 1960م.

7 -جميل مطر، مستقبل العروبة، الهلال، يوليو 1993م، ع 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت