وأعلن طلبة جامع الزيتونة (الكلية الدينية الكبيرة بشمال أفريقيا) ويقدر عددهم بنحو ثلاثة آلاف وخمسمائة طالب أنهم قرروا الإضراب عن الدروس إلى أن يتخلى عن إدارة الكلية شيخ الجامع الحالي وهو شيخ الإسلام المالكي المسمى الطاهر بن عاشور. وكبر هذا الأمر على الوزير وعلى شيخي الإسلام لما يعلمانه من سوء الأثر الذي سينشأ عن هذا الإضراب، وعبثاً حاولوا إبطاله بشتى الطرق.
وفي يوم الجمعة قرر الناس عدم الإقتداء في الصلاة بجميع الأئمة الذين شاركوا في هذه الفتوى، وأن لا تقام الصلاة وراءهم ولا وراء نوابهم بالجوامع التي هم أئمتها، فأصبحت خاوية على عروشها، وصلى الناس وراء غيرهم صلاة الجمعة وأقيم ذكر اسم"اللطيف"في الجوامع الكبرى احتجاجاً على هذه الفتوى، وذكر الناس ربهم بلسان واحد قائلين"يالطيف يالطيف، ألطف بديننا الحنيف"وقد تأثر الناس من إجراءات علماء السوء وأجراء السوء، وازداد حماسهم وسخطهم على أولئك الشيوخ الذين صاروا محل الزراية والأذى من أخلاط القوم، فإذا مروا بشارع تناولتهم الألسنة بما يشين الكرامة ويزري بالشرف.
وأشيع في عشية الجمعة أن أحد المتجنسين قد مات بنهج الحفير، وأن الحكومة تحاول إخفاء موته لتدفنه في مقابر المسلمين، فتجمهر الناس حول دار هذا الرجل المصاب بداء النقط وقد نزل به هذا المرض المهلك عندما وصلته أوراق تجنسه. ولما خشيت عائلته سخط الجماهير استنجدت القوة الحاكمة فأنجدتها بالبوليس وجنود الدرك المدججة بالسلاح، فامتلأت بهم الشوارع في ذلك المساء، وزاد قدوم القوة في حماسة الناس وتجمهرهم. ولما خيم الليل وقع اصطدام بين القوة والشعب بسبب تضارب أحد المتظاهرين مع ضابط من كبراء قوة الدرك ضرب الضابط الرجل فأدماه فخطف الناس الضابط وأشبعوه ضرباً، فاستنجد جنود الدرك بالجيش فحضرت منه كوكبة مسلحة إلى تلك الساحة التي أخذت تعج بالناس في ظلمة ذلك الليل، وأسفرت المشادة في صبح ذلك اليوم عن 16 جريحاً من الجند والمتظاهرين. وقبض على 27 من التونسيين زجوا في السجن.
وما أصبح الصبح حتى امتلأت تلك الساحات والبطاح بالجنود السود مشاة، وركباناً من الإفرنسيين، ودارت في شوارع العاصمة وفي الحارات الإسلامية منها بالخصوص المدافع الرشاشة والدبابات وأطلقت البنادق في الفضاء إرهاباً للناس ورغبة في تفريقهم. ولكن هذه الرغبة أتت بعكس المقصود فازداد الازدحام وامتلأت الشوارع كافة بالمتظاهرين وبدأت علائم الشر تلوح على الوجوه، وكانت قوات الحكومة قد أوعزت إليها الإدارة بتكوين حوادث دموية في ذلك اليوم الرهيب لأنهم لم يتركوا وسيلة لإثارة حفائظ الناس لم يستعملوها، ولكن الشعب المتظاهر قابل كل تلك المحاولات بما عهد فيه من صبر وأناة، فكنت ترى جنود الدرك والبوليس، وحتى رؤساء هذه القوات، يمعنون في ضرب الناس على وجوههم حتى أدموا الكثيرين منهم وأحدثوا لهم أضراراً كثيرة، فنقل الكثير منهم على أثرها إلى المصحات والمحلات التي أعدت خصيصاً لمعالجة منكوبي المظاهرة.
وحدثت عدة اصطدامات بين الجند والمسلمين في أثر هذه الاعتداءات الفظيعة الصادرة من الجنود وأعوان الحكومة استعمل الجند فيها سلاحهم ورجال الشرطة عصيهم، واستعمل الناس الحجارة والعصي من جهتهم أيضاً، واستمر الحال هكذا بين أخذ ورد إلى الليل، ودام الأمر كامل تلك الليلة وصباح الغد وعربات السجن تحمل الجموع إليه وعربات الإسعاف تحمل المنكوبين إلى ما بعد ظهر الاثنين.
وفي عشية يوم الاثنين رغب الناس في الذهاب إلى قصر حمام لمكاشفة سمو الأمير بما حل برعاياه. وعارض الحزب الحر الدستوري في تنفيذ هذه الفكرة وفضل عدم إدخال ملك البلاد في هذه الخصومة حتى لا يقع استعمال نفوذه فيها ضد إرادة الشعب بتأثير إدارة الاحتلال. وفعلاً فإنه لم يذهب إلا نحو الثلاثمائة شخص فقط تجمهروا أمام قصر الإمارة هاتفين بسقوط التجنيس والفتوى المفتعلة على الدين. واتفق أن كان هناك نائبان في البرلمان الفرنسي قدما إلى تونس بقصد السياحة والإطلاع، فقدمهما المقيم العام في ذلك المساء إلى سمو الباي فشاهدا ذلك الهتاف والتظلم. وقد تأثر المقيم من هذه الصدفة السيئة فأفهم ذينك النائبين غير الحقيقة من تلك المظاهرة، فصرح أحدهما للصحف بما يدل على تبرمه مما شاهده من عدم الإخلاص لفرنسا رغماً عما عرفت به من تسامحها الديني!.