مثل وفد من أولئك المتجمهرين أمام سمو الأمير، وقدم له عريضة بما لقيته الأمة. وكان الوزير حاضراً هذا الموطن وكان للأقوال التي قيلت لسمو الباي تأثيرها على نفس الوزير بطل هذه المأساة فرآها فرصة سانحة للاتحاد مع المقيم العام ضد إرادة سمو الباي فجاءا إليه من الغد: الأول يهدد ويتوعد باسم حكومته وقوتها وعظمتها وجندها وسلاحها، والآخر ينصح الأمير بتعديل الموقف خشية حدوث مالا يسر. وقد تليت في هذا الموطن على سبيل التبرك والانتفاع قصة سلطان المغرب مولاي عبد الحفيظ. وبعد جدال ومناقشة دامت ساعتين ونصفاً أذن الأمير لوزيره بأن يعمل ما يهدئ روع الناس، وما يرجع الأمن والطمأنينة إلى ما كانا عليه، فخرج الوزير فرحاً بهذا الانتصار الذي أحرزه ووضع خطة التنفيذ بمعية مدير التشريفات مصطفى صفر عدو الحركة الوطنية القديم. وكانت الخطة إخراج تصريحات على لسان حاجبي الأمير يعربان فيها عن أفكار سموه في هذه المشاكل، تم إصدار بلاغ من الوزير على لسان سمو الأمير يكون حاسماً لمادة النزاع على رأي الوزير الأكبر. وتولت جريدة النهضة التي تخدم ركاب الوزير ومشيخة الإسلام نشر هذين البلاغين فكان يحدث بسببهما الفشل في الشعب لما اشتملا عليه من تغير في الموقف ولكن القابضين على زمام الحركة منعا هذا التأثير من التسرب إلى الأفكار وبادر الحزب حالاً بالرد عليه وخاطب الشعب بوجوب الثبات والاستمرار على حركة الاحتجاج إلى أن يقع حل هذا المشكل بما يرضي التونسيين المسلمين.
وهناك حادثة استغلها الوزير وأثر بها على سمو الأمير لابد من ذكرها هنا بإيجاز لأن البلاغ الأول يصرح بها والثاني يشير إليها، وهي حادثة الخلاف الذي وقع في العام المنصرم بين سمو الأمير ووزيره السابق خليل بوحاجب وشيخ الإسلام السابق حميدة بيروم، وصورة هذا الخلاف أن حملة صحفية عنيفة أقامها الوطنيون ضد الاحتفال بمرور خمسين عاماً على الحماية الفرنسية بتونس فأراد المقيم العام أن يرفع قضية على القائمين بها من رجال الحركة الوطنية، وفعلاً وقع تتبع هؤلاء، وصح العزم على إصدار أحكام قاسية عليهم، فأذاع أعداء ذلك الوزير أن الموعز بهذا التتبع هو الوزير التونسي نفسه، فقامت حملة ضده في الصحافة وحدثت مظاهرات عظيمة كانت نتيجتها حفظ القضايا، وإرجاع الصحف المعطلة ومنها النهضة، وصادف أن وقع الخوض إذ ذاك في مسألة إصلاح نظام التعليم بالجامع الأعظم، فكان شيخ الإسلام السابق من المعارضين فيه، فاغتنم الفرصة شيخ الإسلام الطاهر بن عاشور خصم شيخ الإسلام المذكور وأثار ضده حملة في الصحافة باسم إصلاح الجامع وتحت عنوان إرادة الخير لهذا المعهد الإسلامي الكبير، فأصبحت الحملة متجهة نحو شيخ الإسلام ونحو الوزير الأكبر فتساندا للدفاع عن موقفيهما وكانت لهما منزلة لدى حكومة الاحتلال، ولكن الأمير صمم على عزلهما فعزلا وتولى بدلهما الوزير الحالي الهادي وشيخ الإسلام الحالي محمد بن يوسف والطاهر بن عاشور انتصب شيخاً للإسلام في المذهب المالكي وشيخاً للجامع بعد أن تم أمر إصلاح التعليم فيه على ما يؤمله ويرجوه. ونظراً لما لاقاه الأمير في مسألة عزلهما من العنت من حكومة الاحتلال فقد أصبح لا يحتمل ذكرهما. ولما جاءت هذه الحوادث قال الوزير لسمو الباي: إن هذه الحركة يغذيها الوزير السابق وشيخ الإسلام ليحلا محلي ومحل الطاهر بن عاشور، فخاف سمو الباي أن تكون هذه هي الحقيقة، وأن يصبح يوماً ما أمام أمر واقع. وبهذا الأمر نجح الوزير واستخرج الأذن من سمو الأمير بإصدار ذلك البلاغ الذي لم يخلُ من الإشارة إلى هذه الدسيسة، بينما المسألة لا تخرج عن الاحتجاج على الإفتاء بقبول توبة المتجنس ومعاملته معاملة المسلمين بينما هو لا يحتكم إلى شرعهم ولا يمت إلى جامعتهم بسبب.
حوادث التجنس في أنحاء الإيالة التونسية:
قصبة بنزرت: