فهرس الكتاب

الصفحة 1604 من 27364

بينما الحوادث تجري في العاصمة التونسية كما مر في الفصل السابق إذا بحوادث أخرى أفظع منها تقع في قصبة بنزرت"فير يفيل"ذلك أن أحد المتجنسين فيها - وهو المسمى عيسى بو عقلين - توفي وأرادت الحكومة دفنه غصباً في مقابر المسلمين، رغماً عن كونه لا تنطبق عليه الفتوى المفتعلة، على فرض التسليم بصحة ما جاء فيها من أن المتجنس إذا حضر لدى الحاكم الشرعي وأشهد على نفسه أنه تبرأ من جميع الأديان ونطق بالشهادتين تقبل توبته بعد ردته ويعامل معاملة المسلمين ولو مع بقائه على الاحتكام إلى غير شريعة الإسلام. ولما عارض مسلمو قصبة بنزرت في دفنه بمقابرهم عمدت الحكومة إلى فرقة كاملة من الجند أرسلتها ليلاً على هذه البلدة بخيلها وسلاحها وأمطرت المتجمهرين وابلاً من رصاص الرشاشات والبنادق واستمر إطلاقها من الساعة 10 ليلاً إلى السادسة صباحاً فخربت عدة أماكن وجرح الكثير من مسلمي البلدة الوادعين المسالمين، ومن الغد زيد في عدد الجند والسلاح وحوصرت البلدة ومنع الداخل فيها والخارج منها، وقبض على كافة المنتمين للحزب الحر الدستوري بها وأودعوا السجن، ثم حملت جثة المتوفى تحت السيوف والبنادق والرشاشات في مساء ذلك اليوم، وصلى عليه عامل بنزرت محمد بن الخوجة لعدم وجود من يصلي عليه من المسلمين، وغسله أحد أعوان العامل المذكور ودفن في قبره الأول من نوعه لأنه محاط بالإسمنت والحديد خوفاً من نبشه بعد دفنه، وأقيم عليه حرس من الجند لا يزال قائماً إلى الآن.

ثم أرسلت الحكومة الجند على بيوت سكان القرية بدعوى التفتيش على السلاح الموجود فيها، ففتكوا بأهلها وشردوا نساءها وصغارها يهيمون في الجبال، وكسروا كل ما وجدوه من أمتعتهم وأبادوا كل ما ادخروه من أقوات وفي 27 بيتاً فتشوها ولم يعثروا إلا على أربع قطع من السلاح المرخص في حمله للحراسة والصيد فحجزوها، ولا تزال البلدة على روعها محاطة بالجند المدجج بالسلاح والرقابة مضروبة على أهلها والذين أودعوا السجون لا يزالون بها لحد الآن، وقد تطوع للدفاع عنهم محامون من رجال الحزب.

في منزل جميل:

وفي هذه القرية متجنس منعه مسلموها من دخول المسجد لارتداده بالتجنس عن دين الإسلام، فرفع أمره إلى حاكم البلدة وفي أسرع من لمح البصر زحف عليها الجند وأجبروا سكانها على إدخال المتجنس للجامع فتركوه والجامع وأقاموا صلواتهم في أماكن أخرى من البلدة وبقي الجند مرابطاً إلى الآن.

بنزرت:

أخذت السلطة الفرنسية في هذه البلدة تحقق مع الكاتب العام لشعبة الحزب الحر الدستوري هناك السيد الطيب بن القايد حسين وثلة من أحرار البلدة بشأن توقيعهم على عرائض الاحتجاج الموجهة للحكومة ضد الفتوى المتعلقة بالتجنيس، ولا يزالون في استنطاق وهم بحالة سراح إلى الآن، وقد وقع تهديدهم بالسجن والإبعاد إن هم عادوا لمثل هذه الخطة.

ماطر:

تظاهر سكانها وهتفوا في جموع عظيمة بسقوط الفتوى، واجتمعوا في جامعها لذكر اسم الله"اللطيف"إظهارا لامتعاضهم مما نزل بالإسلام وأهله من محنة، وأخذت الإدارة هناك تحقق مع رجال الحزب الحر فيها وبالأخص زعيم الحركة هناك السيد حمودة ميهوب الذي هدد بالإبعاد عن الوطن التونسي بتهمة إثارة القلاقل به في كل مناسبة.

فريانة:

أضرب أهالي هذه البلدة عن العمل يوماً كاملاً، احتجاجاً على فتوى التجنيس، وأرسلوا برقيات بذلك إلى المراجع العليا كما أبرقوا إلى الحزب يؤيدونه في موقفه ضد الفتوى والتجنيس فنقمت السلطة عليهم هذا الأمر وأسرت لهم الإيقاع بهم، واتفق أن حدث من الغد حريق في مناشر الحلفا فأجبرت السلطة أهالي البلدة - كما هي عادتها - على إطفاء ذلك الحريق فامتثلوا، ولكنهم بمجرد الشروع في العمل سمعوا أصحاب الحلفا الفرنسيين واليهود يشتمون دين الإسلام ظناً منهم أن الذي أضرم النار من مسلمي القرية فاحتج المسلمون على هذا الاعتداء وإزاء احتجاجهم استنجد عامل الجهة الجيلاني بن رمضان الذي كان من الوطنيين ثم صار عاملاً لحكومة الاحتلال بقوة الجند والدرك فأرسلت إليه قوة من سوسة وأخرى من قفصة وقبض على المنتمين للحزب في القرية وزجوا في السجن فاحتج رفاقهم وأرادوا أن يدخلوا السجن معهم إعلاناً لتضامنهم فما كان من جنود الدرك إلا أن ضربوهم الضرب المبرح وأدخلوهم السجن ودخل العامل عليهم السجن وأخذ يضربهم بهراوة كانت بيده ومن الغد سيق خمسة منهم إلى سجن مدينة سوسة حيث أحيلوا على محكمتها الفرنسية لتحاكمهم بصفتهم متهمين بضرب جنود الدرك وأطلق سراح الباقين ووضعت عليهم الرقابة من عيون الحكومة وأعوانها السريين.

قفصة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت