ومثال ذلك كتاب صدر بعد هذه الأحداث لأحد هؤلاء الكتاب السياسيين، ومن أصحاب التفسير الظاهري القائم على نفي المؤامرة، ونبذ الكراهية، فقد اعترف هذا الكاتب بخطئه في الماضي في الاعتماد على ظاهر الدستور الأمريكي في نصه على العلمانية، وفصل الدين عن السياسة، وأقر هذا الكاتب بأن هناك حقيقة لا يعرفها سوى الباحثين المتخصصين.
يقول الكاتب:"لابد من التسليم في البداية أن الولايات المتحدة دولة علمانية دستورها الفصل التام بين الدين والسياسة. ولابد من التسليم أن كثيراً من النخب الأمريكية المؤثرة أبعد ما تكون عن الدين والتدين. مع هاتين الحقيقتين اللتين نسمع عنهما كل يوم هناك حقيقة ثالثة لا يكاد يعرفها سوى الباحثين المتخصصين، وهي انتشار الأصولية المسيحية في الولايات المتحدة على نحو لا مثيل له في أي مجتمع مسيحي آخر".
فقول هذا الكاتب عن الحقيقة الثالثة (لا يكاد يعرفها سوى الباحثين المتخصصين) دليل على أن القول بالحقيقتين السابقتين ليس هو قول الباحثين المتخصصين.
لم ولن يذكر الكاتب أن من هؤلاء الباحثين المتخصصين (علماء الشريعة) ، مع أنهم أكثر من يقول بهذه الحقيقة ويفسر سياسة الغرب من خلالها، ويحلل تصرفاتهم منطلقاً منها، والسبب فيما يظهر لي أنه يصعب على النفس الاعتراف الكامل بالهزيمة الكاملة، وانتصار الآخرين الساحق.
لكن الذي يهمنا في ذلك موافقة الكاتب للحقائق ولو لم ينسبها، والأهم الاعتراف بالواقع والمشاهد ولو لم يَعْزُه.
ومن الأدلة التي ساقها الكاتب لإبطال الحقيقة الأولى والثانية، وإحقاق الثالثة قوله:"اشتهرت التسمية"بالمسيحيين المولودين من جديد"بعد الرئيس جيمي كارتر الذي كان أول رئيس أمريكي يعلن أنه (من المسيحيين المولودين من جديد) ، وعن هؤلاء سيكون الحديث....تصل نسبة هؤلاء 41% من مجموع المسيحيين في الولايات المتحدة... ربما كان من دواعي سرور المسلمين - والمتدينين عموماً - أن يوجد هذا العدد من المتدينين في مجتمع منحل لو أن الأمر وقف عند الدين وحده، إلا أن الظاهرة تتجاوز الدين إلى السياسة فمعظم المسيحيين المولودين من جديد - وأنا استعمل كلمة"معظم"من باب الاحتراس - يشعرون بتعاطف قوي مع إسرائيل، مرجعه اعتقادهم أن الله في العهد القديم وعد اليهود بأرض فلسطين، كما وعد بمباركة الأمم التي تباركها (ولعن الأمم) التي تلعنها، كما أن هذه الطائفة تؤمن أن تجمع اليهود في فلسطين ضرورة لابد منها لكي يتحقق المجيء الثاني للمسيح."
ويعتقد باحث عربي معاصر - أولى الموضوع الكثير من الاهتمام - أن الجذور الحقيقية للصهيونية تنبع من الأصولية المسيحية الأمريكية، وأن الولايات المتحدة لا تعتبر إسرائيل مجرد حليف إستراتيجي، ولكنها تنظر إليها باعتبارها امتداداً حقيقيًّا - لا مجازياً - للأمة الأمريكية.
يقول الأستاذ شفيق مقار عن العلاقة الأمريكية/ الإسرائيلية: تلك العلاقة العضوية غائرة الجذور بين الأمة الأمريكية،التي اعتبرت نفسها واعتبرها قادتها وزعماؤها ومفكروها دائماً (إسرائيل هذا الزمان) وشعب الله المختار الجديد، واعتبرت غزوتها الاستيطانية التي أبيد في غمارها سكان القارة الأمريكية الأصليون لبناء أورشليم الجديدة على أرض العالم الجديد، وفكر قادتها قبل أن يتخذوا النسر شعاراً لهم أن يرسموا على علمهم القومي صورة موسى"على رأس بني إسرائيل في الطريق إلى الأرض الموعودة"، وبين الامتداد العضوي والتحقق الأقصى لتلك الأمة، أي إسرائيل.
ويضيف هذا الباحث: المشروع الاستيطاني لم يقتصر على المرحلة التمهيدية ( فلسطين) بل شمل منذ البداية - وبتعاقد قانوني صريح بين الشعب المختار والإله - كل الأرض من النيل إلى الفرات. فهل يمكن أن نتصور أن تقوم الأمة الأمريكية - الأمة المتدينة الفتية التي تربت على تعاليم التوراة ورضعتها من الصغر - على تلك المعاصير المميتة فتنقض - لأجل خاطر الزعامة المصرية أو أي زعامة عربية موالية - ذلك الاتفاق الإلهي بين (مع) الشعب المختار الأصلي، أو تقدم على ما هو من شأنه أن يؤخر تنفيذه بإعادة ما أخذته إسرائيل من الأراضي المحتلة المتفق عليها مع الإله ذاته منذ قرون عديدة؟
ويمضي هذا الباحث متحدثاً عن القدس: يحسن أن نتوقف لحظة عند القدس أو أورشليم... فما أكثر من ظلوا يحلمون بإمكان استخلاص القدس من براثن إسرائيل عن طريق تسوية ما تعقد تحت جناح الأصدقاء الأمريكيين، ولكن أحداً - فيما يبدو - لم يفكر في الرجوع إلى الأصول الكهنوتية للمسألة،أو يخطر له التنقيب في تلك المنابع التي نتحدث عنها، ولو عني أحد بأن يكلف النفس تلك المشقة لتبين له بوضوح وجلاء واقع الموقف الصهيوني فيما يخص المدينة المقدسة التي انتزعت من كل البشر لا من الفلسطينيين وحدهم لتكون عاصمة لمملكة صهيون المسماة حتى الآن إسرائيل.