إن المطلوب هذه المرة ـ فيما يبدو ـ أن تُضرَب إيران لصالح الأمريكان بأرواح ومقدرات وأموال العرب السُّنّة، لتذهب تلك الأموال وتخلُص مرة أخرى إلى الخزائن الأمريكية ثمناً للسلاح المستخدم فيها، والذي ستتوالى صفقاته بمئات المليارات لتعويض الاقتصاد الأمريكي عن تعثراته، ولتكونَ هذه الحرب وقوداً لثأر جنوني شيعي ضد دول الجوار السُّنّي، حتى يُنهِك الطرفان بعضهما بعضاً ـ مثلما حدث في حرب الخليج الأولى ـ ريثما تتهيأ الأجواء لانفراد أمريكا ـ ربما في جولة لاحقة ـ بإيران المنهكة والمعزولة بعد استعمالها في إضعاف العرب السُّنّة، واستعمال العرب السُّنّة في إضعافها! ولكي لا تقوم قائمة بعد ذلك لإيران الطامعة في منافسة الغرب في خيرات بلاد العرب، والطامحة إلى مزاحمة دولة اليهود (إسرائيل) في الزعامة الإقليمية في المنطقة.
أقول: لو كان لنا نحن ـ العرب والمسلمين السُّنّة ـ قوة كافية وإرادة مستقلة لكان علينا، وفق حساباتنا المرسومة بحسب السياسة الشرعية، أن نتكتل ضد أي كيان ذي شوكة يقوم على البدع المغلظة التي تشوِّه دعوة الإسلام وتصد عن سبيل الله، في إيران أو غير إيران، ولكن وفق رؤيتنا وأجندتنا وأحكام شريعتنا. ولقد سئلت في حوار مع أحد المواقع إبان الحرب في لبنان، بين ما يسمى بـ (حزب الله) واليهود، عن رأيي في مساندة الشيعة في تلك الحرب، فقلت: إن محاربة اليهود من قِبَل حزب من لبنان أو حتى من اليابان أمر جيد، ولكن العمل لتمكين الشيعة في أي بقعة إسلامية أو تلميع صورتهم وتزكيتهم أمر غير جيد. ولو فرض أن ما يُسمى بـ (حزب الله) قاتل اليهود وانتصر عليهم وأخرجهم من فلسطين ليحل محلهم؛ لكان واجباً علينا ـ أهلَ السُّنّة ـ إذا توافرت لنا القدرة والاستقلال في القرار، أن نخرجه من فلسطين ولو بالقوة، حتى لا يشيع التشيّع في الأرض المقدَّسة ويُشتَم الصحابة وأمهات المؤمنين ويكفروا!
وإيران اليوم لا يجوز أن تكون لها هيمنة إقليمية تضر بدعوة الإسلام في أكثر أراضيه أهميةً وحساسيةً، ولو تمكنا نحن ـ أهل السُّنّة ـ من كف شرّها وإيقاف مدّها، دون أن يكون ذلك لحساب العدو الآخر الذي لا يقل خطورة عن الأمريكيين واليهود، ودون أن يكون ثمن إضعافها هو مزيداً من قوتهم ومزيداً من ضعفنا؛ فإن ذلك يكون من الواجبات التي لا يجوز تأخيرها.
لكن المقطوع به ـ في ضوء حقائق الدين والواقع ـ هو أن كفار أهل الكتاب يودّون لنا العَنَتَ، ولن يزيدونا إلا خبالاً إذا أطعناهم واتخذناهم خبراء أمناء، وأصدقاء أولياء في أيٍ من قضايانا المصيرية.
-السيناريو المتوقع:
من غير استبعاد نهائي لسيناريو (الصفقة) مع إيران ضد العرب، في حال عجز أمريكا عن خوض مواجهة نهائية وفاصلة معها في المرحلة الراهنة ـ كما بيّنتُ في مقال سابق ـ فإن أقرب السيناريوهات المتوقعة ـ في ظني ـ وبحسب سوابق أمريكا ونواياها الخبيثة بكل العرب والمسلمين، هو أن تقوم الولايات المتحدة بتوجيه ضربات لإيران في هجوم جزئي أو شامل، على مواقع استراتيجية في العمق الإيراني، بحيث يكون هذا الهجوم منطلِقاً من بعض دول الخليج، وربما بتأييد منها، لا لتأديب إيران الآن، بقدر ما هو لتأليب شيعتها وشيعة العالم كله ضد السُّنّة العرب، وبخاصة في منطقة الخليج، وعندها ـ والله أعلم ـ ستكون ساحة الحرب الإقليمية الطائفية في أوْج استعدادها للانفجار والانتشار، ليحقق الأمريكيون ـ لا أكسبهم الله ـ العديد من المكاسب التي من أبرزها:
-كسر العصا الإيرانية، بعد أن استُخدمت في كسر العصا العراقية.
-إشغال العرب جميعاً في صراع بديل لما كان يسمى بـ (الصراع العربي الإسرائيلي) ليحل محله صراع جديد هو (الصراع العربي الفارسي) . وهذا ما سيُنسي هؤلاء العرب، أنه كانت هناك يوماً قضية اسمها القضية الفلسطينية؛ ظلت تُعدّ القضية المركزية الأولى للأمة العربية والإسلامية.
-إعادة الاعتبار (للعدو) الأمريكي في نظر شعوب المنطقة، بعد جرائمه وفظائعه ليعود صديقاً؛ بل منقذاً للعرب من نظام طهران، كما سبق أن (أنقذهم) من نظام صدام! وهو ما يمكن أن يسمح باستمرار الارتهان له والامتثال لأمره.
-دفع حركة تجارة السلاح إلى الرواج، عندما يصطف العرب لشراء الصفقات التسليحية التي ستوقد نار المعركة ضد الأطماع الفارسية؛ حيث سيُرفع كالعادة شعار (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) ولو كان هذا الصوت هو صوت مصلحة الشعوب وحقوقها في الاستقرار والتنمية والتحديث.
-إعادة ترتيب أوراق المنطقة وسط دخان تلك الحرب، بما يسمح بقفز أولياء أمريكا إلى مقدمة كراسي المسؤولية، سُّنّية كانت أو شيعيّة.
-إجبار المقاومة السُّنية في العراق ـ وربما في غيرها ـ على تغيير وجهتها عن الأمريكيين إلى غيرهم، بعد أن أذاقت تلك المقاومة جيش أمريكا طعم الهزيمة، ولتتوجه كل جهود المجاهدين لقتال شيعة إيران والكف عن الأمريكيين وحلفائهم، وهو ما يمكن أن يوفر لهؤلاء الأمريكيين فرصة لالتقاط الأنفاس والعودة من جديد للتفرغ للمجاهدين.