ومن غرائب ما يدعو إليه العلايلي في كتابه هذا لتجديد الشريعة وتطويرها: الدعوة إلى صهر المذاهب الفقهية المختلفة في بوتقة واحدة، وجعلها مستمداً لا ينضب معينه بغض النظر عن موافقتها للصواب من عدمه، ويكون ذلك كما يقول بـ"التسليم بكل ما قالت به المدارس الفقهية على اختلافها وتناكرها حتى الضعيف فيها، وبقطع النظر عن أدلتها، واختزانها في مدونة منسقة حسب الأبواب كمجموعة"جوستنيان"، وأعني كل ما أعطت المدارس: الإباضية والزيدية والجعفرية والسنية من حنفية ومالكية وشافعية وحنبلية وأوزاعية وظاهرية…، وذلك يجعل هذه الثروة الفقهية منجماً لكل ما يجد ويحدث" (15) . ويستطرد قائلاً:"ويتأسس على هذا المقترح أنه في حال ما إذا واجهتنا مشكلة من المشاكل اليوم، أو نازلة من النوازل نأخذ الحل من هذا المنجم الفقهي بقطع النظر عن قائله أو دليله، وبتغير الظروف يتغير الحكم المعتمد… فالمُرجّحُ إذاً هو الظرف فقط مادمنا قد سلمنا بأقوالهم جميعاً وقبلناها جميعاً، فما هجرناه اليوم من قول في مسألة ما ثم اقتضاه الظرف بعد حين نعمد إلى ترجيحه والأخذ به" (16) . انتهى كلام الدكتور مفرح - وفقه الله - .
-وقال الأستاذ أحمد أبوعامر في الرد على العلايلي:
"كان العلماء المسلمون على مر التاريخ -انطلاقاً من كونهم حملة هذا الدين والمبلغين عن خاتم الأنبياء والمرسلين والورثة لما خلفه لنا الرسو صلى الله عليه وسلم من تعاليم- كانوا أحرص الناس على اتباعه واقتفاء سنته ، وكانوا أبعد ما يكونون عن مخالفة هديه وعن تنكب سيرته. لذا كانوا يمقتون المبتدعة والابتداع في الدين للتحذير النبوي الوارد عن صلى الله عليه وسلم (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وفي رواية (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) لذا تقرر عند علماء الإسلام قديماً وحديثاً أن الأقوال الواردة عنهم لا تؤخذ قضية مسلمة بل لابد من عرضها على الوحيين فما وافقهما أخذ وما خالفهما رد. وأثر عنهم أنه إذا خالفت أقوالهم الدليل فيضرب بها عرض الحائط.. وما يؤسف له أن وجد في القرون الأخيرة فئات من العلماء المحسوبين على الإسلام اختطوا لأنفسهم توجهات جديدة بعيدة كل البعد عن مشكاة النبوة لتحكيمهم العقل على النصوص ولتأويلاتهم واستنباطاتهم التي لا يسندها دليل من النقل والعقل ويسمون ذلك اجتهاداً منهم ، ولصاحبنا في هذه الحلقة آراء من هذا القبيل والتي تهدف إلى تطويع الإسلام للحياة ولي عنق الأدلة لتوافق ما يراه بل مما يؤسف له أن نجده يدعو إلى العلمانية بحذافيرها؛ ففي كتابه (دستور العرب القومي) يطالب بإعادة من سماهم برجال الدين إلى معابدهم فلهم فيها خير وصلاح وفيه للمجتمع خلاص من آثامهم وجهلهم!! وهذا التوجه منه بزعم جهل العلماء إنما هو افتراء لا مبرر له سوى ردود الأفعال منه حينما رفضت أفكاره التي رأى فيها إصلاحات للمحاكم الشرعية والأوقاف ورفضها المختصون آنذاك، فكيف يسوي بين علماء الإسلام ورجال الدين النصارى؟ بل إن هؤلاء يعملون في السياسة بخلاف ما يعتقدون وما تزال حتى الآن الأحزاب المسيحية الديمقراطية تحكم بعض الدول الأوروبية ولم يقل أحد مثلما قال الشيخ العلايلي."
إن ردة الفعل يجب أن تضبط وألا تؤدي بالفكر إلى مخالفة الصواب والوقوع في أخطاء خطيرة تناقض المعلوم من الدين بالضرورة وسنرى المزيد من تلك الآراء العجيبة له .
والحق يقال: إن الشيخ العلايلي نموذج فريد من حيث الإحاطة بالعلوم والفنون المتنوعة فهو خريج الأزهر ومحسوب على العلماء المعروفين في لبنان وكاد يكون مفتياً هناك كما سترى فيما بعد ، وهو لغوي متمكن وله جهود علمية لغوية جبارة يعجز عنها الكثيرون سأتطرق لبيانها فيما بعد ، وهو كذلك عمل بالسياسة كتابة وتحليلاً في بلاده والعالم العربي وهو منظر فكري وأيديولوجي وسيعجب القارئ حينما يعلم بأنه شارك في تأسيس الكثير من الأحزاب العلمانية المعروفة في لبنان ، ويعتبره بعضهم مصلحاً اجتماعياً لما طرحه من آراء وأفكار رأى فيها حلاً لمشكلات لبنان.
نبذة عن حياته:
هو الشيخ عبدالله بن عثمان العلايلي من إحدى الأسر العريقة في لبنان ولد عام 1914م وشجرة أسرته تعود جذورها إلى أصل (كريتي-يوناني) وفدت أسرته إلى مصر لأغراض تجارية في أواخر الحكم (العبيدي) وفي أواسط القرن الحادي عشر الهجري/ السابع عشر الميلادي ، وفدت أسرته إلى لبنان للتجارة وما يزال بعض (العلايليين في بيروت يرون أنهم يعودون إلى أصل تركي ، وفد من قرية(علايا) التركية لكن الشيخ عبدالله يرى أنهم يعودون إلى أسرة شريفة ترجع إلى (علي بن أبي طالب) رضي الله عنه ولعل اسمها مصحف من (علي لي) على طريقة النسبة في اللغة التركية الشائعة آنذاك بمصر).
ومسألة الأصل في نظري لا تقدم ولا تؤخر ما لم تقدم على أساس من التقوى والاتباع للنبي r.