فهرس الكتاب

الصفحة 16066 من 27364

ننتقل من النقاد إلى بعض الملامح العامة حول النقد عنده، ونرى تصوره للنقد، فالنقد عبارة عن (بحث في قبليات المعرفة وشروط إمكان الفكر… يرمي إلى البحث في المؤسسات والأبنية والممارسات التي تتيح للخطابات أن تتشكل وتنتشر …. باختصار إن النقد بالمعنى الحديث بل الأحدث، هو قراءة في النصوص والتجارب لسير إمكاناتها واستنطاقها عن مجهولاتها. وهذا هو النقد بالمعنى الأنطولوجي للكلمة… يستقصي المجهول والمغيب والمستبعد…) (37) وبهذا يتخطى النقد (نقد الفرق والمذاهب إلى نقد أصول المعرفة الإسلامية. نتخطى نقد التفاسير والشروحات إلى نقد الوحي نفسه، وذلك بالتعامل معه كمعطى يخضع للمعرفة النقدية وشروطها..) (38) والفضل في افتتاح هذا النقد يعود إلى محمد أركون (39) .

وعلي حرب يرى أن هذه القراءة النقدية (تستثمر إمكانات النص وتعيد إنتاجه، فتحوله من معرفة جامدة إلى معرفة حية، بالتعامل معه كرأسمال ثقافي يمكن تحويله وصرفه) (40) هنا يتضح مدى التحول في معنى النقد الذي يتبناه علي حرب، وإن كان في حقيقته وجوهره يعود إلى المعنى المباشر من النقد. وهكذا يصبح (نقد النص) عبارة عن تلاعب في النص، وفيه تتم إسقاطات متنوعة من قبل الناقد على النص، وهذه الإسقاطات تشوه النص، وتخرجه عن مقصده، وهكذا فكل إنسان، وكل فئة، وكل مجتمع، هو الذي يُنزّل على النص ما يريده هو لا ما يريده النص، مع أننا نجد أن تركيزه منصب على كشف المستور والمخفي، وبهذا ينحصر النقد في جهة واحدة، وبهذا يصبح نشاطه محصورًا وضيقًا وهو يخالف زعمه عن القراءة المنفتحة، أو القراءة الحية كما يسميها، فقراءة القرآن الحية كما يقول: (تعنى بالبحث عن القَبْلي والمحتمل، وتهتم بالكشف عن المجهول والمغيَّب والمسكوت عنه… تبحث في النص عن البداهات المحتجبة أو عن القبليات المنسية أو عن البنيات المترسبة أو عن الآليات المستخدمة) (41) .

وإذا كان النشاط النقدي عبارة عن إسقاطات، وعبارة عن معانٍ في أذهان هؤلاء ينزلونها على النصوص، ويحملونها ما لا تحتمله، فإن الباب لن يغلق أمام التلاعبات المتواصلة من قبلهم، كيف والنص عبارة عن رأسمال، يمكن صرفه في أي وقت، وبأي طريقة، وهذه هي حقيقة النقد التفكيكي، إنه نقد قائم على انعدام الحقيقة، وخاصة الحقائق النبوية، وبهذا فلا بأس بأن نقول في النص ما نشاء، وأن نقرأه كيفما نشاء، فهو نص رمزي، وعملة يمكن صرفها.

يضع علي حرب بعض القواعد حول نقد النص، ومن المناسب التوقف مع بعض ما فيها، لأنها حوت كثيرًا من الأصول التي تحرك الاتجاهات الفلسفية الأخيرة، ومن هذه القواعد:

أولاً: (النصوص سواء) فالاختلاف هنا لا يهمّ، والفرق هنا لا يهمّ، سواءً كان من حيث المضامين والمحتويات، أو من حيث الموضوعات والطروحات، إنما الذي يهم كيفية انبناء الخطاب وطريقة تشكله وآلية اشتغاله.

هنا يمكن الجمع بين النص الفلسفي والنص النبوي، إذ كلاهما يشكل نصًا لغويًا (42) .

وهو بهذه الصورة يستطيع التعامل مع النص النبوي كأي نص دون أي ميزة له، فيسقط عليه منهجياته ونقده، دون أي مشكلة أو تحرز، فكلام الله لأنه نص مثل كلام إبليس أو فرعون أو أي متكلم مخلوق لأنها كذلك نصوص !!

ولكن هل المنهج العلمي يتعامل مع الأسماء المشتركة على ما تحويه من معاني مختلفة على أنها شيء واحد؟ وهل العقل يقول بهذا؟ إن الجواب واضح.

ثانيًا: (كينونة النص) حيث يصبح النص مستقلاً، ويُنظر إليه من دون إحالته لا إلى مؤلفه، ولا إلى الواقع الخارجي. ففي منطق النقد يستقل النص عن المؤلف كما يستقل عن المرجع (43) ، وهذا"الفصل"يطغى على الفكر البنيوي والألسني والفلسفي المعاصر. وإذا كنا نستطيع فصل النص عن قائله إلا أن دراسته وفهمه ستبقى ناقصة، وهذا في النصوص البشرية. أما كلام الله سبحانه وتعالى وكلام رسول صلى الله عليه وسلم ، فإن فصله عن المتكلم به معناه الابتعاد عن مراد الله سبحانه الذي أوضحه لنا رسول ا صلى الله عليه وسلم أتم توضيح وبينه أفضل بيان، وبالتالي تُنزل الأهواء الشخصية والمرادات الفردية والرغبات الخاصة على هذه النصوص، وبهذا يصبح النص حتى على دعواه غير مستقل، وانفصاله لم يتم، فهو إن فصله عن المتكلم به، فقد جعل نفسه وكأنه المتكلم به، لأنه الوحيد الذي كشف حقيقته وعرف مراده المخفي والمعلن.

ثالثًا: لا يوجد حقيقة جوهرية للنص، وإذا لم تكن هناك حقيقة جوهرية وثابتة فلا مجال عندئذٍ للحديث عن الخطأ والصواب.. فالتخطئة أو التصويب يصحان إذا كنا نتعامل مع النص بوصفه يعكس أو يتطابق مع حقيقة ذهنية أو خارجية قائمة بمعزل عنه، وكمثال (فالنص النبوي، مثلاً، لا تكمن أهميته في كونه يروي الحقيقة ويتطابق معها. بل تكمن بالدرجة الأولى في حقيقته هو، أي في رؤيته للوجود وفي آلية إنتاجه للمعنى وفي كيفية تعامله مع الحقيقة أو في طريقته في الكلام على الأشياء) (44) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت