فهرس الكتاب
إذًا فالنص هو الذي يصنع الحقائق، لا أن هناك حقائق ثابتة يتحدث عنها النص أو يصفها، وعندما لا تكون هناك حقائق فالباب مفتوح أمام القارئ ليتخيل ما شاء من مضامين لهذه النصوص، وعلى هذا يكون فعل الرسو صلى الله عليه وسلم مع صحابته إنما هو من باب الغشّ لهم، فهو قد أخبرهم بهذه النصوص بما فيها من حقائق، واعتقدوها وصدقوا بها، وفي القرن العشرين تمّ الاكتشاف الحديث بأن هذه النصوص لا تدلّ على حقائق ثابتة كما يقول النقاد من طه حسين إلى علي حرب على خلاف بينهم في مستوى الإنكار!!
تأتي بعد ذلك أربع قواعد متقاربة، ففي"استراجية النص"يرى أنه (لا ينبغي التعامل مع النصوص بما تقوله وتنص عليه أو بما تعلنه وتصرح به، بل بما تسكت عنه ولا تقوله، بما تخفيه وتستبعده…) (45) ، وأما سبب سكوت النص فهو يرى أن (النص يسكت ليس لأن مؤلفه ضنين بالحقيقة على غير أهلها ولا بسبب تقية من سلطة يخشاها ولا لغرض تربوي تعليمي يرمي إليه، كما ذهب بعض مفسري القرآن، بل لأن النص لا ينص بطبيعته على المراد، ولأن الدال لا يدل مباشرة على المدلول… ومن هنا يتصف النص بالخداع والمخاتلة ويمارس آلياته في الحجب والمحو أو في الكبت والاستبعاد…) (46) ، وبهذا تتحول النصوص مع علي حرب إلى ألغاز وأسرار وخفايا، وبهذا لا يكون التعامل معه حسب ظاهرة، بل حسب ما يخفيه والذي لا يعرفه إلا أمثال علي حرب ! وعلى هذا فإن الله سبحانه وتعالى قد خاطب عباده بكلام لا تظهر فيه الحقيقة، بل هي مختفية، وهذه طبيعة في أي نص، بل هناك ما هو أكثر من ذلك توضحه القاعدة الخامسة (النص يمارس حجبًا مضاعفًا إذ هو يحجب ذاته كما يحجب ما يتكلم عليه) (47) ، وبهذا يتحول النص إلى كلمات مغلقة، ومعاني مستعجمة، لا يمكن معرفتها والوصول إليها إلا بشق الأنفس، ويصبح النص محفوفًا بالمخاطر، والاعتماد على ظاهره خطأ فادح، والطمأنينة إلى ظاهره في غير موضعها ولها ضريبتها، بل يزيد من هذا البلاء من علي حرب بلاءًا آخر حيث يقول بأن (الحجب والمخاتلة) يمثل فعلاً قوة النص (ولهذا فأنا أذهب إلى أن قوة كل نص هي في حجبه ومخاتلته لا في وحدته وتجانسه) (48) وهنا ينحصر نقد النص في قراءة ما لم يقرأ، أو كشف المحجوب والمختفي، وهذه هي القراءة الحية، بخلاف القراءات الميتة، وهذه القراءة وهذا النقد من لا يقبلهما ومن لا يستوعبهما -حسب زعمه- فهو عاجز عن قبول التحدي (49) .
هذه هي قواعد علي حرب، والمتتبع لنشاط أغلب الفلاسفة المتأخرين يجد أنهم يدورون حول هذه المعاني.
يلاحظ أن هذه القواعد قد حولت النص، ومنه النبوي إلى لغز من الألغاز، بل وحصرت قوته وأهميته في قوة حجبه وإخفائه للحقيقة، وفي قوة تلاعبه وتمويهه بها ، وإذا نظرنا إلى ثقافات البشر، نجد أن هذه المعاني تناسب الألغاز، وتقترب من نشاط السحرة وأشباههم في تلبيس الحقائق، بل وتعتبر قوة الساحر في قدرته على إخفاء سحره وفي نجاحه في التمويه والتلاعب بأبصار الناس وعقولهم.
ويجب التنبيه في هذا المقام إلى أن لكل نص صورته الخاصة التي تميزه عن غيره، وحالته الخاصة، ووضعه الخاص، ولذلك تتمايز النصوص، ويختلف بعضها عن بعض، فنصوص لا يناسبها إلا الوضوح، ونصوص مجالها في بلاغتها ومجازاتها واستعاراتها، أما النصوص النبوية فهي نصوص لا تدخل تحت هذه التقسيمات الخاصة بنصوص البشر، فهي وحي من السماء، وهي نصوص لهداية البشر، نزلت بأفضل صورة، وعلى أكمل وجه، وبلسان عربي مبين، ففيها الحق، وفيها النور، وفيها الحياة، وفيها البيان، وفيها الهداية، وما كان كذلك فلا يناسبه الغموض والاختفاء والتمويه والتلاعب والحجب الذي ينادي به علي حرب، والذي لم يُكتشف إلا في القرن العشرين، وبقي غامضًا على الأمة الإسلامية وعن علمائها أكثر من ثلاثة عشر قرنًا، فما أعظم جنايته على كتاب الله تعالى وسنة رسول صلى الله عليه وسلم ، وعلى الأمة الإسلامية عمومًا، بل على الأديان السماوية كلها.
لقد جعل علي حرب للنص ظاهرًا وباطنًا، فالظاهر ما يعرفه الناس، وباطن أو مخفي أو محتجب أو مستور وهذا ما يعرفه علي حرب عن طريق تفكيكية اليهودي جاك دريدا، وهذا يذكرنا بالظاهر والباطن عند أهل التصوف وأهل الباطن، وهذا ربما يفسر سر إعجابه الكبير بابن عربي وببعض المتصوفة، وهو بهذا يخالف مزاعمه في جعل النص واسعًا حيث ضيقه، وجعله محصورًا في جانب واحد، وهو الباطن المخفي.
نعم إن كلام الله سبحانه وتعالى مليء بالمعاني والدلالات التي لا تنفذ، ولكن ليس معنى ذلك أن يُنظر إلى النص ويفسر أو يفكك -كما يقول علي حرب- بعيدًا عن سياقه، وبعيدًا عن مراد قائله، فالابتعاد عن النظر إلى النصوص متكاملة، والابتعاد عن قائلها يحول النصوص إلى ساحة لأهواء البشر ورغباتهم، وتفسير النصوص عندها بما يريده المفسر لا بما تريده النصوص وتدل عليه.