فهرس الكتاب
إن هذه الانحرافات الخطيرة، وخاصة في جانب النظر إلى النصوص الشرعية، عند علي حرب ومن شاكله في النقد أو التصور، له علاقة كبيرة بذلك التصور الفلسفي الفاسد نحو النصوص الشرعية الذي يزعم بأن النصوص الشرعية، نصوص تخييلية، أو أسطورية أو ما شابه ذلك من الأقوال حسب توجهات كل متفلسف، وإذا كان قد تم التحقق من السابقين من جهة أثر هذا التصور عليهم، ففي هذا الموطن ننظر إلى أثره في علي حرب.
يرى علي حرب وكما سبق بأن النص لم يعد يعبر عن حقيقة (50) ، وإنما كل نص يصنع حقيقة ويوهم الناس بها وليس بالضرورة لها وجود، والفضل في هذا الكشف يعود إلى مفكري التفكيك، ويرجع كذلك إلى اكتشافات دوسوسير في زلزلة المعنى والحقيقة (51) ، وهذا الأمر هو صورة غالية لقول الفلسفة وتصورها العام بأن النصوص النبوية نصوص تخييلية.
يركز علي حرب كغيره من المتأخرين على بعض القضايا التي تتعلق بالفرد والمجتمع من أجل الاستمرار -دون حذر- في نقد النص الديني أو أي نص، ومن أهمها الدعوة إلى فتح الباب أمام حرية الباحث في النقد، وأن يتحلى بها كل باحث، فيتخلص من كل سلطة حسية أو معنوية، وينفتح على نقد النصوص دون حرج، حتى ولو كانت هذه النصوص هي آيات كتاب الله أو أحاديث رسول ا صلى الله عليه وسلم ، وهي دعوة إلى حرية النقد لهذه النصوص بصورة تجعل الحرية فوضى مدمرة.
يقول علي حرب عن هذه الحرية بأنها (إمكانية الدخول على الإسلام من هوامشه ومنافيه، أو من مكبوتاته ومرذولاته، أو من عوالمه السفلية وقبلياته التاريخية؟ أو إمكانية الدخول على التراث الإسلامي من خارجه، كما يفعل المفكرون العرب المعاصرون الذين يدخلون على الإسلام وتراثه من الفضاء الغربي الحديث على اختلاف عقلانياته وأدواته المنهجية وأنظمته المعرفية) (52) ، وهذه الحرية (تعني إمكانية التعامل النقدي مع الإسلام لا بوصفه مرجعية مقدسة أو سلطة معرفية لا تجادل أو هوية ثابتة ونهائية، بل بوصفه أحداثًا تاريخية أو مخزوناً ثقافيًا أو رأس مال رمزي..) (53) .
هكذا أقام علي حرب نقده، على خطوات مرتبة، أولاً فتح النص أمام كل ناقد، خاصة بعد أن جعله كأي نص، وسلبه الحقيقة، وجعله نصا رمزيا ، أتى بعد ذلك ليزيل ما يمكن أن يتبقى لدى بعض المسلمين من احترام وتعظيم لكلام الله سبحانه وكلام رسول صلى الله عليه وسلم ، فمن خلال باب الحرية ومشروعيتها لا يبقى عند ذلك عائق عن النقد، وسواءً من جهة النص فهو مفتوح للنقد، أو من جهة قائله فلا عائق من جهة قائله (أو مؤلفه كما يقول علي حرب) ، لأن النص قد تم فصله عن قائله والمتكلم به، ولا عائق من جهة الناقد القارئ ، فمن خلال شعار الحرية خف تعظيم الله سبحانه وتعظيم رسول صلى الله عليه وسلم وتعظيم كلامهما.
مع أن الناقد والقارئ قد تم إلغاؤه من قبل علي حرب، وجعل إمكانيته النقدية والتفسيرية محصورة في صورة ضيقة وضعها.
وبهذا لم يترك علي حرب أي باب أمام من أراد نقد النص الشرعي إلا وفتحه وزينه، فنكون بذلك مع أسوأ المتفلسفين تعاملاً مع النص الشرعي باسم المنهج النقدي، نحن نجد أحيانًا بعض الاعتذارات عند أركون ونصر حامد بأنهم لا يقصدون نقد النص الشرعي، وإنما يقصدون نقد التصورات المحيطة به، مع أنها اعتذارات كاذبة، أما علي حرب فهو يرفض مثل هذه الاعتذارات؛ لأنه لا حاجة إليها، وعندما صرح أركون مرة بإعجابه بالقرآن، فهذا موقف لا يعجب علي حرب لأنه (موقف إيماني عقائدي أو عشقي لا موقف ناقد محلل) (54) أما ما يعجبه في أركون فهو نقده الصريح للقرآن، فإن قراءته النقدية (أجدى وأخصب من القراءات الأيدلوجية التبجيلية التي تتعامل مع النص بوصفه معرفة ميتة أي جاهزة نهائية) (55) .