فهرس الكتاب
9-الإيهام: كأن تتصرف تصرفا يوهم الطرف المقابل بما تريد أن يتصوره من غير أن يكون لذلك حقيقة، ومن الأمثلة المعاصرة على ذلك ما قامت به مصر قبل حرب العاشر من رمضان، من محاولة إيهام اليهود بأن مصر ليست مقبلة على الحرب أو القتال، إذ نزل إعلان في الصحف المصرية: بفتح باب القبول لطلبات الحج من الضباط المصريين الراغبين في أداء فريضة الحج، فكان في ذلك إيهام لليهود أن مصر ليست مقبلة على قتال، مما يساعد على تشويش التفكير اليهودي حول النوايا المصرية في الحرب.
ومما يساعد في تلك الأساليب ويعين عليها: اختيار الوقت المناسب والظرف المناسب، الإحاطة بدقائق الأمور وخصائصها المتعلقة بالحدث، سرعة التحرك والاستفادة من الفرص المتاحة، بناء قاعدة معلومات عن الطرف المقابل، التوازن وعدم الاضطراب في مواجهة الأمور، التفكير في أكثر من اتجاه ولا نحصر أنفسنا في اتجاه واحد، إيجاد أكبر عدد ممكن من البدائل للجوء إليها عند الحاجة إليها، تقسيم الحدث إلى عدة أحداث جزئية كل منها يؤدي إلى الآخر، توظيف الحدث القائم ( الاستفادة منه ) إذا لم يمكن صناعته.
ومما ينبغي معرفته أن الأساليب تختلف من حدث إلى آخر، فكل حدث له أسلوب يناسب صناعته، بل الحدث الواحد يختلف أسلوب صناعته باختلاف البيئة التي يطبق فيها أو عليها.
إن عدم القدرة على صناعة الحدث له أخطار وأضرار كثيرة إذ أنه يجعل غالب الأفعال والتصرفات مجرد ردود أفعال والغالب على ردود الأفعال أن تكون غير مدروسة، وقد يكون رد الفعل في هذه الحالة داخل في نطاق صناعة الحدث المعادي ، فيكون رد الفعل غير المدروس في هذه الحالة أو الذي لم يأخذ حظه من الدراسة الصحيحة محققا للمراد من الحدث المعادي ، فقد يقوم العدو بعمل استفزازي يجعل أصحاب القرار يستعجلون الرد للحفاظ على الهيبة والمكانة بين الأتباع مما يجعل العدو يقوم بعمل آخر قد أعد له مسبقا على أساس رد الفعل غير المدروس يكون أقسى وأشد من السابق مما قد يضعف العزيمة والرغبة في المقاومة والثبات في الميدان إلى حد بعيد، وهذا يستلزم وجود مراكز أبحاث متخصصة لدراسة الأمور الواقعة ، والأمور المحتملة الوقوع ودراسة الواجب إزاء ذلك كله حتى يمكن الخروج من دائرة رد الفعل السريع المنفعل الذي قد يضر أكثر مما ينفع.
كيفية مواجهة صناعة الحدث المضاد:
كما نحاول نحن أن نتدخل في صناعة الحدث عند الآخرين لمصالحنا، فإن الآخرين يفعلون الشيء نفسه بالنسبة لنا، وينبغي أن تكون لنا القدرة على مواجهة ذلك حفاظا على ديننا ودنيانا، فمن ذلك:
1-التقيد الصحيح بما شرعه الله لنا؛ فإن شريعة الله لعباده شرعها رب العالمين أحكم الحاكمين الذي هو بكل شيء عليم، الذي يقدر مآلات الأمور ، وقد شرعها الله تعالى ليكون الالتزام بها محققا للناس سعادة الدنيا والآخرة، فالالتزام بها يحقق للمسلمين صناعة الحدث على النحو الأفضل لهم، ويحقق لهم في الجانب المقابل مواجهة حدث الآخرين وإن هم لم ينتبهوا لذلك، ولم يخططوا له قصدا، فإن الشريعة موضوعة على هذا الوضع الذي يكفل السعادة والنصر للمسلمين بمجرد الاتباع و التقيد، فاتباع الشرع دائما يصب في إفشال الحدث الذي يريده الشيطان بالمسلمين، والشيطان هو ولي الكافرين وهو الذي يخطط لهم ويمدهم، والله ولي المؤمنين وقد أنزل لهم الشريعة ليكون اتباعها نجاة من أساليب الشيطان وأوليائه، وتلك نتيجة الطاعة في أرض الواقع.
2-الهزيمة تبدأ أول ما تبدأ في القلب، ثم تنتقل بعد ذلك إلى الساعد والسلاح، فالثقة بالله والاعتصام به، والإيمان بالقدر، يمنع من هزيمة القلب، فيظل المسلم حتى آخر لحظة من حياته وهو عالي الرأس.
3-الثقة في وعد الله لعباده المؤمنين بالنصر والتمكين ، فذلك يجعل المؤمنين يخططون ويعملون بهمة ونشاط، وهم على أمل الظفر، ويعلمون أن الله لا يخلف وعده، فإذا تخلف شيء من ذلك فإنما أسباب ذلك ترجع إلى تقصيرهم، وعدم قيامهم بما أوجب عليهم ربهم.
4-العاقبة للمتقين، فالمعرفة بذلك والتيقن منه تمنع من الإحباط- الذي يقتل الهمم- حتى مع التعثر وحتى إن طال الطريق.
5-التحلي بسعة الأفق واتساع نطاق المعرفة، والخبرة بالنفوس البشرية وتقلباتها، ووجود القدرات الاستكشافية العالية، التي ترصد تحركات وتصرفات الآخر بدقة، والتي تمكن من رسم الخطط على بصيرة.
6-نشر العلم الشرعي بين الناس والدعوة إلى العمل به، ونشر ثقافة صناعة الحدث .
والموضوع بعد ذلك موضوع كبير وعريض، ولعل ما قدمناه هنا يكون محرضا لأهل الاختصاص على المشاركة والنزول إلى الميدان