فهرس الكتاب

الصفحة 1612 من 27364

إن التجنس بالجنسية الفرنسية والتزام ما عليه الفرنسيون في كل شيء حتى الأنكحة والمواريث والطلاق ومحاربة المسلمين والانضمام إلى صفوف أعدائهم معناه الانسلاخ من جميع شرائع الإسلام ومبايعة أعدائه على ألا يعودوا إليه ولا يقبلوا حكماً من أحكامه بطريق العهد الوثيق والعقد المبرم (وهل بقي بعد هذا من الإسلام شيء؟) وإن هناك فرقاً كبيراً بين من تسوقه الشهوات بسلطانها الشديد إلى الزنا وشرب الخمر مثلاً وبين من يلتزم هذه الأشياء مختاراً لها على شرائع الإسلام التي نبذها وراء ظهره وأعطى على نفسه العهود والمواثيق ألا يعود إليها فإن صاحب الشهوة يفعل ما يفعل بمقتضى سلطانها الطبيعي القاهر وهو يتمنى أن يتوب إلى الله عليه فهو معتقد قبح ما يفعل وسوء مغبته، وربما كان قلبه ممتلئاً بمحبة الله ورسوله كما قال: لأصحابه عندما لعنوا ذلك الذي حُد في الخمر مراراً لا تلعنوه فإنه يحب الله ورسوله فمثل هذا يوشك أن يندم على ما فعل ويتوب مما اقترف وأما حليف الفرنسيين الخارج من صفوف المسلمين طوعاً واختياراً مستبدلاً لشريعة بشريعة وأمة بأمة مقدماً ذلك على اتباع الرسول بلا قاسر ولا ضرورة فلابد أن يكون في اعتقاده خلل وفي إيمانه دخل وإذا حللنا أحواله القلبية ونزعاته النفسية وجدناه منحل العقيدة فاسد الإيمان فهو من وادي من قال الله فيهم: (( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً، وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً ) ) [النساء/ 60 - 61] ، وهذه الظواهر التي تدل على فساد البواطن ينبغي أن لا نتغافل عنها ولا عن ما صاحبها من تلك القرائن التي تنطق بالبعد عن حقائق الإيمان وتدل على سوء المقصد وقبح الغاية (ولله در المالكية في نظرهم البعيد حيث لم يقبلوا التوبة من الزنديق الذي قامت القرائن على كذبه في دعوى الإسلام وإن لذلك مدى كبيراً في نفسي فقد كان لهم من بعد النظر وحسن السياسة للشريعة المطهرة ما يعرفنا أنهم بالمحل الأول من الحكمة واليقظة ولولا ذلك لكان الإسلام لعبة في يد هؤلاء الزنادقة ولكان المسلمون لديهم مثال الغفلة والبلاهة والجهالة، فما أسرع ما كانوا يهزؤون بهم ويسخرون من عقولهم وقد رأينا ذلك في ملاحدة مصر [1] حيث يأتي الرجل بالكفر الصريح والإلحاد المكشوف والإقذاع الفاحش ثم يكتب على صفحات الجرائد أنه يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر ويقول بعض ذوي القلوب السليمة من العلماء أنه إن كفر بالأمس فقد أسلم اليوم، ولم يدر أننا صيرنا الإسلام بذلك هزأة الهازئين وسخرية الساخرين وأضحوكة الزنادقة والملحدين، فجزى الله المالكية عن الإسلام خيراً فما أوسع نظرهم وأعرفهم بتلك النفوس الخبيثة ومقدار تفننها في الخبث والدهاء(وما أعظم استعدادها لأن تظهر بكل لون وتتشكل بكل شكل) على أننا لو تنزلنا غاية التنزيل فلسنا نشك في أن هؤلاء المتجنسين بالجنسية الفرنسية على أبواب الكفر وقد سلكوا أقرب طريق إليه وليس يخفى ضعف النفوس وتأثرها بما تعتاده وتألفه فهي طريق موصلة لغايتها توصيلاً طبيعياً لا محالة وقد رأينا المدنية الأوربية وما فعلت بنا والتقاليد الغربية وما أفسدت من أبنائنا الذين سارت بهم مسيراً تدريجياً في طريق الفساد الذي قضى على الدين والآداب والأخلاق قضاء مبرما، ومما لاشك فيه أن أبناء أولئك المتجنسين لابد أن يكونوا خلواً من الإسلام براء من ذويه لا يعرفون غير الكفر ومحبذيه ولا شك أن الرضا بالكفر كفر، والوسيلة تعطي حكم المقصد وما لا يتم الكفر إلا به فهو كفر ومن عزم على الكفر بعد خمسين عاماً فهو كافر من الآن ولا يمكننا أن نفهم إلا أن هذا استحلال لما حرم الله ورد لما أوجبه - سبحانه وتعالى- [2] . وبعد فإن كان هؤلاء يعتبرون أنفسهم مؤمنين فليعلموا أن الحب في الله والبغض في الله من الإيمان والحب في الشيطان والبغض في الشيطان من الكفر، وليس هناك ميزان صحيح لوزن الإيمان الصحيح غير الحب في الله والبغض في الله وقد ورد في الصحيح أن المرء مع من أحب فإنه لا يحبه إلا إذا كان بينه وبينه تشاكل في النفوس وتوافق في النزعات وتقارب في الاستعداد وإلا وقع التباين فكانت البغضاء والمقاطعة وقد قال صلى الله عليه وسلم:"ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار"، ويقول صلى الله عليه وسلم أيضا:"لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به". ويقول الله - عز وجل: (( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ) ) [النساء/ 65] ، ويقول: (( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت