أما حق هذه المؤسسات على المواطنين فمن أبرز ما يتمثل به عدم الحقد عليها ، أو الإساءة لها بما يشوه صورتها كبث دعاية مغرضة ضدها ، وتفضيلها على غيرها من المؤسسات غير الوطنية عند التساوي بينها في منتجاتها ، ورفض الأعمال التخريبية التي تستهدفها كأعمال التطرف والإرهاب التي تسعى لتدمير المؤسسات الوطنية ، وكذلك الإخلاص عند العمل فيها ، ومواصلة نصح القائمين عليها بما يحقق المصالح العامة مباشرة عن طريق وسائل الإعلام أو غيرها .
الشعب والدولة:
الحقوق المتبادلة بين الشعب من جهة والدولة من جهة أخرى هي مدار ما يسمى الآن بـ (المواطنة ) من حيث هي حقوق متبادلة بين الطرفين .
وفي هذا الإطار ورد إنكار بعضهم - كما سبق - لهذه الحقوق في الإسلام لعدم وجود لفظ (مواطن) بمعنى شخص يشارك في شؤون وطنه ، بل يوجد لفظ يعطي المعنى المقابل - كما يتصور بعض هؤلاء - وهو لفظ (رعية) الذي يطلق على الشعب مقابل (الراعي) الذي يطلق على السلطة السياسية - الحاكم ، ولفظ الرعية يطلق أساساً على الماشية التي يوجهها الراعي كيفما يريد .
لقد أسلفت تأكيد كثير من المفكرين المعاصرين على أن مقابل (مواطن) المعاصرة هي (مسلم) وفق مضمونها الإسلامي الذي يعني شخصاً له حقوق وعليه واجبات تجاه ما يحيط به من أشياء الوجود ومنها قطاعات المجتمع التي منها الدولة .
فضلاً عن هذا فإن التعامل مع لفظ (رعية) بهذا السلق السريع والدعوة إلى أن تخرج الشعوب المسلمة من كونها رعية لتكون مواطنة غير سديد ؛ إن الألفاظ العربية لا تبقى في حدود إطلاقاتها الأولى وإنما تتطور لتتضمن معاني تناسب الصياغات التي تندرج فيها ؛ إن لفظ (الرعية) في الصيغ الشرعية تتضمن معنى حق المرعي على الراعي بالعدل والقيام بالحق وإيفائه حقوقه التي شرعها الإسلام له ، فالنص الشرعي وهو نص ديني عماده التوجيه الخلقي قبل التشريع القانوني يوجه الراعي أن يتحمل مسؤولية إقامة حقوق الرعية تديناً لله وطلباً لرضوانه ، ولنتأمل حديث المسؤليات الذي يقول فيه الرسو صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالإمام الاعظم الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته ، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته ، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسؤول عنه ؛ ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) (24) .
ولأن المسلمين فهموا مثل هذا النص في جوه الديني العام لم ترد عندهم تلك الصورة البشعة التي تمنح الراعي التلاعب بمصائر رعيته كما الراعي بأغنامه ، إن الذي فهموه عكس ذلك تماماً لقد فهموا أنه دليل على عظم حقوق الرعية وخطورة مسؤولية من تهيأ له إمساك زمام الحكم عليها بل فهموا منه أن الراعي ليس هو الأصل بل الرعية ، وأن الراعي مجرد وسيلة لإقامة حقوق هذه الرعية ،ولنأخذ من كلام هؤلاء العلماء ما نقله ابن حجر في شرح هذا الحديث:
(الراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما اؤتمن على حفظه فهو مطلوب بالعدل فيه والقيام بمصالحه) ونقل عن الطيبي قوله ( إن الراعي ليس مطلوباً بالذات وإنما أقيم لحفظ ما استرعاه المالك فينبغي ألاّ يتصرف إلا بما أذن الشارع فيه) (25)
مسألة أخرى ، هي الإصطلاح الجاري عند الحديث عن العلاقة بين الدولة والشعب في قضية المواطنة وهو مصطلح (الحقوق) في إطار الفكر المعاصر ، بينما في الإسلام الحديث عن واجبات، وللأسف أنه من خلال استثمار جرس الألفاظ: حقوق ، واجبات ، تقلب الحقائق بحيث يُصور أن هذا يعني عدم وجود حقوق إسلامية في هذا المجال .
وإذا وعينا أساس ارتباط كل من القضيتين (الحقوق والواجبات) بمنطلقها (المواطنة الليبرالية والإسلام ) ، وعرفنا - أيضا - مدى انحصار دلالة اللفظة في منطوقها أو استيعابها لمقابلها ؛ إذا وعينا وعرفنا ذلك أدركنا القيمة الحقيقية لهذين المصطلحين.
فأما وجه الارتباط - بين مصطلح الحقوق والمواطنة الليبرالية فهو عدم وجود مصدر يتجاوز هذين الطرفين يمنح الحقوق ، ومنطق وجود طرفين يتنازعان مصالح بينهما أن يتم انتزاع كل طرف مصالحه من الآخر بحسبانها حقوقاً له إما بأصل وجوده ، أو بالعقد الرابط بين الطرفين .
وهذا خلاف الأمر في الإسلام فمصالح أطراف الوجود الاجتماعي منطلقها هو الله فهو الذي أوجد هذه الأطراف وهو الأعلم بمصالحها ومن ثم المحدد لها والملزم بها ، فالمصلحة التي للفرد على الدولة ، ومقابلها مصلحة الدولة على الفرد هي مطلوبات شرعية من قبل المصدر الذي يخضع له أطراف المجتمع المسلم كلهم حكاماً ومحكومين، والإخلال بها يعرض صاحبه قبل الجزاء القانوني الدنيوي إلى غضب الله واستحقاق عقابه ، من هنا كان لفظ واجبات أصدق إسلاميا ، وأقوى أثراً نفسياً من لفظة حقوق.