فهرس الكتاب

الصفحة 16155 من 27364

طبعاً لا يعني هذا تمييع المصطلحات الشرعية لحساب مصطلحات مستحدثة ، فالحقائق الشرعية هي الاصل لعصرنا ومجتمعنا، و للعصور والمجتمعات الأخرى ، المراد هو أن نفسر الحقيقة الشرعية بالمصطلحات العرفية التي تجعل الطالب يدرك الصور التطبيقية في واقعه لتلك الحقيقة الشرعية ، مثلاً في الشرع ذم للنفاق بكل صوره العقدية إضماراً للكفر وإظهاراً للإسلام ، والخلقية (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ...الحديث) (28) وتحقيق مصالحه عبر التلون الاستغلالي للناس (إن شر الناس ذو الوجهين..) (29) في وقتنا يوجد مصطلح الانتهازية الذي يدرك الناس تمثلاته سواء على مستوى أفراد العموم أو على مستوى المثقفين والساسة الذين يتنكرون للمبادئ التي يدعون إليها قبل وصولهم لمناصبهم . مثل ذلك الأثرة المقابلة للإيثار ، والأثرة بما تنطوي عليه من شح وبخل وحسد للآخرين أن ينالهم الخير ، هذا المصطلح يرادفه مصطلح الأنانية ، ... إلخ .

? من العناصر المهمة أيضاً في الربط بين معطيات العصر ومطلوبات الشرع، الحقوق؛ حقوق المواطنة ذاتها .

أوضحنا فيما سبق أن تركيز الاتجاه الليبرالي على (الحقوق) دون الواجبات جاء تبعاً لفلسفة الاتجاه التي ترى أن طرفي المعادلة: الدولة والشعب متعادلان وأنهما يتنازعان هذه الحقوق ومن ثم يتقاسمانها ، وليس هناك سلطة عليا تمنحها تلك الحقوق ، وأن الإسلام عكس ذلك فمصدر تلك الحقوق هو الله هو الذي منحها عباده ، وزاد تفضلاً بأن جعلها التزاماً أمامه من قبل من هي مطلوبة منهم فهي واجبات قبل أن تكون حقوقاً .

هذا ما سبق ، لكن ما يحسن تأكيده هنا هو أن هناك خللاً بين طرفي المعادلة - الدولة والشعب - في هذه الحقوق مقارنة بما هو سائد في المواطنة المعاصرة ، حيث الصوت العالي هو لحقوق الدولة على المواطن - عند المسلمين - مع خفوت لحقوق المواطن على الدولة ليس في الإعلام السياسي فقط بل وفي مدونات السياسة الشرعية ، ربما تم ذلك لمقتضيات تاريخية عند المسلمين ، وربما كان استناداً لكون الحقوق العامة هي الأصل فَوضْعُها بإزاء حقوق الحاكم التي هي حقوق استثنائية إزراء بها، أو لأن الدولة كانت في عصور الإسلام الأولى لما تزل في إطار المشيخة القبلية ولم تتحول إلى مؤسسات تصرِّف تفاصيل شؤون الحياة ، أو لغير ذلك من الأسباب ، لكننا في هذا العصر ، ونحن نسعى لبناء حضاري ذي وجه إسلامي ينبغي أن نتحرر من تحكم ظروف تاريخية مضت لنعود لمصادر الإسلام الأساس وهي القرآن والسنة وهدي الخلفاء الراشدين لنبني من خلالها وفي مواكبةٍ لمعطيات العصر الإيجابية في هذا المجال مواطنة متوازنة الحقوق والواجبات بين عناصر المجتمع ، لتستطيع من خلال موازنتها بحقوق المواطنة المعاصرة تحقيق تفوقها المقنع لفكر الناشئ المشبع لمشاعره الإيمانية .

والمفترض ألاّ تبنى المناهج على ردود أفعال تجاه الأحداث العينية ، بحيث إنه كلما وقعت مشكلة أو برزت ظاهرة طلب أن يزاد في مفردات المناهج ما يعالجها، ينبغي أن تبنى المناهج على المضامين الكلية التي تعطي الطالب في قضية ما أسسها العامة ، وتوصيفها الواقعي ومنطلقاتها التنفيذية ، بحيث تجعل شخصيته قادرة على معالجة كل ما يعرض له من مفاجئات العصر .

ولعل هذا السبب من الخلل في مناهجنا - ضمن أسباب أخرى لا ريب - هو الذي يجعل أبناءها على الرغم من كثافة المعطى الديني والثقافي في المناهج من غير حصانة أمام الاختراق ، وبلا قدرة على الفرز للضخ العولمي بالدرجة المطلوبة للمسلم الفقيه في دينه الواعي لعصره ، المستبصر لحركته فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت