وقد حَرَصَ رسول ا صلى الله عليه وسلم - وكان في ذلك نبيا مُلهَما وحكيما كلَّ الحكمة - على بقاءِ هذا الرباط الوثيق المقدَّس بين جزيرة العرب والإسلام فضلا عن الحجاز والحرمين الشريفين ، وحَرَصَ على سلامة هذا المركز وهدوئِه وشدةِ تمسّكه بهذا الدين وعضِّهِ عليه بالنواجذ؛ لأن العاصمةَ يجبُ أن تكون بعيدةً عن كلِّ تشويشٍ وعن كل فوضى وعن كل صراعٍ عقائدي أو مبدئي ، فشَرَعَ لذلك أحكاما بعيدةَ النتائج واسعةَ المدى ، وأوصى لذلك وصايا دقيقةً حكيمةً ، وأخذ لذلك من أصحابه وأمَّتِه عهودًا ومواثيقَ .
وقد ذكرت عائشةُ أمُّ المؤمنين رضي الله عنها؛ قالت: كان آخرَ ما عَهِدَ رسولُ ا صلى الله عليه وسلم أن قال:"لا يُترك بجزيرة العرب دينان" (3) .
وعن رافعٍ أن صلى الله عليه وسلم"أمَرَ ألانَدع في المدينة دينا غيرَ الإسلام إلا أُخرج".
وعن جابر بن عبدالله قال: أخبرني عمرُ بنُ الخطاب أنه سمع رسول ا صلى الله عليه وسلم يقول:"لأخرجنَّ اليهودَ والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدَعَ فيها إلا مسلمًا" (4) .
وأخذ بذلك الخلفاءُ الراشدونَ المهديُّون فكانوا ينظرون دائما إلى جزيرة العرب كمعقلٍ للإسلام ورأسِ مالِ الدعوة الإسلامية"انتهى ."
لذلك ؛ فإن المُتعَيّن على أهل هذه الجزيرةِ ، وعلى من بسط اللهُ يده عليهم وعليها: المحافظةُ على هذه المَيِّزات والخصائصِ الشرعية ؛ليَظهر تميّزُها، وتبقى الجزيرةُ وأهلها مصدرَ الإشعاعِ لنور الإسلام على العالم .
وليُعلَم أنه كلما قَوِيَ هذا النورُ؛ امتدَّ هذا الإشعاعُ ، وكلما ضَعُفَ وتضاءَلَ في هذه الجزيرةِ وأهلِها؛ تقاصرَ .ولا حول ولا قوة إلا بالله .
ثم اعلم أن هذه الضَّماناتِ منها ما هو عامٌّ لأهلِ الإسلام مهما كانت ديارهم ومهما تعدَّدَ جنسهم ، لكنها تتأكد في حقِّ أهل هذه الجزيرة ، ومنها ماهو خاص بها لموجبِ النصِّ . (5)
ثم منها ما هو متيسِّرٌ إعمالُهُ ومنها ما فيه نوعُ عُسرٍ ومشقَّةٍ لاختلالِ الأحوالِ ، لكن نذكره معذرةً أمامَ اللهِ وأمامَ التاريخِ والأجيالِ المتعاقبةِ - والله المستعان -.
وإليك بيان بعضٍ منها:
1.كما تكون المحافظةُ على الحدودِ المكانيَّةِ لأيِّ إقليمٍ ولائيٍّ ؛ فإن المحافظةَ على الحدود الشرعية والخصائص المرعيةِ وصيانتِها لهذه الجزيرة واجبةٌ كذلك على من بسط الله يده عليها .
وعليه ؛ فإن النتيجة من المحافظة على الحدود الإقليميّةِ الولائيّةِ معاقبةُ من ينتهكها ، فكذلك من باب أولى تجب معاقبة من ينال من حدودها وخصائصها وحرماتِها الشرعيةِ بما يلاقي انتهاكَه شرعا.
2.سلطان الحاكمية فيها لا يجوز أن يكون لغير دولة التوحيد ، ورايةِ التوحيد .
ومن عجائب المقدور ولطائفِ الحيِّ القيوم ، ولأمر خيرٍ يريده الله - وهو سبحانه أعلمُ بالأحوال - في هذه الأمة المرحومة إن شاء الله تعالى: صار العَلَم الولائيُّ في قلب هذه الجزيرة يحمل كلمةَ التوحيد ، وهكذا كان اللواءُ الأبيض للنبي r مكتوبا عليه"لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله".
رواه أحمد والترمذي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما . (6)
ولهذا ؛ فإن الأعلامَ إن نُكِّسَت - ابتداعا- لموت العظماء ؛ فإن هذا هو العَلَمُ الوحيد الذي يكون تنكيسه من أشد مواطن الإثم والجُناح .
وبالجملة ؛ فلا تُساسُ الأمة بغير شرع الله الإسلام كما قال حسان رضي الله عنه:
وما الدين إلا أن تُقامَ شرائعٌ *** وتُؤمَنَ سُبلٌ بيننا وهِضابُ
واعلم أن أي شقاء في الأمة أو فسادٍ هو بسبب ما يُصَبُّ على الأمة من تحلِّلٍ وانحلال في إقامة الدين بين العباد .
3."اتخاذُ الحياةِ الإسلامية ؛ الحياة التي يرضاها اللهُ وينصُرُ عليها ، والحرصُ على إزالةِ جميعِ المنكرات وأسبابِ السخط ودواعي الخذلانِ والفشلِ في المجال الإداري والأخلاقِ الاجتماعية والفردية ، وتتبُّعُها تتبُّعا دقيقا، والحدُّ من الثراء الفاحش وتكدسِه في عددٍ محدود وطبقةٍ معينة ، وتقييدُ التجارةِ وحركةِ الاستيرادِ الحُرَّةِ على حساب أخلاقِ الشعب وفي مصلحةِ عددٍ محدودٍ جدا وطبقةٍ معينة ؛ فإن كل ذلك مما يمهِّد الأرض ويفتح الطريق للشيوعية المتطرِّفَة (7) ، والاشتراكيةِ المقَنَّعة . والحيلولة بقدر الإمكان وإلى أقصى الحدود؛ فإن ذلك مما يجحِفُ بالشعب ويجني على الأخلاق ويجعلُ الحسبةَ والأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر شبهَ مستحيلٍ، وقد نبَّه نابغةُ العرب وفيلسوف المؤَرِّخين العلامةُ ابنُ خَلدون على ضرره وسوءِ أثرِهِ في الحياة"انتهى مُلخَّصا (8) .
4.إخضاعُ كلِّ ما يجري ويصدُرُ على أرض هذه الجزيرةِ من أنظمةٍ وأوامرَ وتعليماتٍ وقوانينَ لمقاصد الإسلام وللمقاصد التي بنيت لها هذه الكعبةُ المشرفةُ واختيرت لها هذه الأرض لتكون مركزا للإسلام ومصدر إشعاع عالميا وللحكمة التي نبه عليها القرآن بقوله:"ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم".