فهرس الكتاب

الصفحة 16233 من 27364

نعم قد يبدو للوهلة الأولى أن بين العربية والمعاصرة تناقضاً أو ما يشبه التناقض ، ولذلك يجب السؤال الذي يلتمس طريقاً يجمع الطرفين في مركّب واحد ، وكأنما هو سؤال يطلب أن تجتمع مع الماء جذوة نارة ، فهل بين الطرفين مثل هذا التناقض حقاً ؟ أو أن ثمة طريقاً يجمع بينهما ، ذلك هو السؤال"."

ويقول الدكتور:"لقد تعرضت للسؤال منذ أمد بعيد ، ولكني كنت إزاءه من المتعجلين الذين يسارعون بجواب قبل أن يفحصوه ويمحصوه ليزيلوا منه ما يتناقض من عناصره ، فبدأت بتعصب شديد لإجابة تقول: إنه لا أمل في حياة فكرية معاصرة إلا إذا بترنا التراث بتراً ، وعشنا مع من يعيشون في عصرنا علماً وحضارة ، ووجهة نظر إلى الإنسان والعالم ، بل إني تمنيت عندئذ أن نأكل كما يأكلون ، ونجدَ كما يجدُون ، ونلعب كما يلعبون ، ونكتب من اليسار إلى اليمين كما يكتبون !! على ظن مني آنئذ أن الحضارة وحدة لا تتجزأ ، فإما أن نقبلها من أصحابها ـ وأصحابها اليوم هم أبناء أوربا وأمريكا بلا نزاع ـ وإما أن نرفضها ، وليس في الأمر خيار بحيث ننتقي جانباً ونترك جانباً ، كما دعا إلى ذلك الداعون إلى اعتدال ؛ بدأت بتعصب شديد لهذه الإجابة السهلة ، وربما كان دافعي الخبيء إليها هو إلمامي بشيء من ثقافة أوربا وأمريكا ، وجهلي بالتراث العربي جهلاً كاد أن يكون تاماً ، والناس ـ كما قيل بحق ـ أعداء ما جهلوا ."

ثم تغيرت وقفتي مع تطور الحركة القومية ، فما دام عدونا الألدُ هو نفسه صاحب الحضارة التي توصف بأنها معاصرة ، فلا مناص من نبذه ونبذها معاً ، وأخذت أنظر نظرة التعاطف مع الداعين إلى طابع ثقافي عربي خالص ، يحفظ لنا سماتنا ويردُ عنا ما عساه أن يجرفنا في تياره فإذا نحن خبر من أخبار التاريخ ، مضى زمانه ولم يبق منه إلا ذكراه". ويتابع الدكتور قوله:"ولولا رجوعي إلى ثقافتي العربية لدخلت القبر بلا رأس" ( تجديد الفكر العربي ، القاهرة ، دار الشروق ، ص12ـ 14 ) ."

ماذا تعني الأصالة ؟

إن فهم الأصالة يقتضي ما يلي:

1.ضرورة المعرفة والفهم لثقافتنا: فهم هذه الثقافة من مصادرها الأصلية ، ومن أهلها الثقات ، وبأدواتها ومناهجها الخاصة .

2.الاعتزاز بالانتماء العربي الإسلامي: يشعر المثقف العربي المسلم ، الذي ينتمي إلى ثقافة العرب والمسلمين ، أنه عضو في جسم هذه الأمة ، وأنه متحرر من عقدة النقص التي يعاني منها بعض الناس تجاه كل ما هو غربي . إنه يعتز بلغته ، لغة القرآن والعلوم ، ويعمل على أن تكون لغة الحياة ، ولغة العلم ، ولغة الثقافة ، وقد كانت لغة العلم الأولى في العالم كله لعدة قرون ، فلا يجوز أن تعجز اليوم عما قامت به بالأمس .

3.العودة إلى الأصول: إلى أصولنا وجذورنا العقدية والفكرية ، والأخلاقية ، ونسعى إلى تحويل اعتزازنا النظري والعاطفي إلى سلوك عملي . إن الاعتزاز يصبح ظاهرة مرضيَة إذا ظل مجرد كلام يردد ، وشعارات ترفع ، وصيحات تتعالى ، لسرد الأمجاد ، وتعظيم الأجداد .

4.الانتفاع الواعي بتراثنا: والغوص في حضنه الزاخر ، لاستخراج لآلئه وجواهره . ولا يتصور من أمة عريقة في الحضارة والثقافة أن تهمل تراثها وتاريخها الأدبي والثقافي ، وتبدأ من الصفر ، أو من التسول لدى غيرها .

إن التراث يحتوي الحق والباطل ، والصواب والخطأ ، والسمين والغث . ففي التراث روايات يرفضها العقل والمنطق ، وفيه الإسرائيليات التي شاعت وانتشرت . من ذلك مثلاً كلام الفلاسفة الكبار عن العناصر الأربعة: التراب والهواء والنار والماء ، أو عن الأفلاك ، أو عن شكل الكون ، ومركز الأرض ، أو غير ذلك ، مما أبطلته علوم العصر ووثباته الهائلة .

وفي التراث أشياء لم يثبت خطؤها ، ولكن لم تثبت جدواها ، أو لم تبق الحاجة إليها قائمة ، كما كانت من قبل ، مثل مباحث علم الكلام المتفلسف ، ولم تبق تخاطب الناس بلسان العصر ، وبعض مباحثها أمسى غير ذي موضوع ، وبعضها تجاوزه العلم أو أبطله . وينبغي وضع علم كلام آخر يعبر عن عصرنا ، ويواجه تياراته ، ويحل مشكلاته .

وفي علم التصوف شطحات ونتوءات في الفكر والتصور ـ كالحلول والاتحاد ـ تناقض صفاء التوحيد الإسلامي ، وأخرى في السلوك والعمل ـ كالمبالغة في الزهد والتوكل ـ تنافي وسطية الخلق الإسلامي .

وفي كتب الأدب والشعر أشياء تجاوزت الدين والخلق والعرف والذوق ، كالغزل بالذكور والحكايات الهابطة .

إننا لسنا مع الذين يضفون القدسية أو العصمة على كل ما مضى ، ولا مع خصومهم الذين ينأون بجانبهم عن كل موروث ، لا لشيء إلا لأنه قديم ، ولكن لابدَ من التخير والانتقاء ، لاسيما في مجال التربية والتثقيف ، أو مجال الدعوة والتوجيه ،أو مجال الحكم والتشريع .

قراءة مستبصرة للتراث

يجب أن تتحقق قراءة مستبصرة للتراث ، وفق معايير مضبوطة تسهم في نهضة الأمة ، وتأخذ بيدها نحو الصراط المستقيم . فمثلاً نقرأ الشعر العربي فنأخذ من روائع التصوير ، وبدائع التعبير ، عن النفس والطبيعة والحياة ، ونقتبس غوالي الحكم ، ونترك المديح المسرف والهجاء المقذع ، والعصبية القبلية ، والمجون المكشوف ، والشك المتحير .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت