فهرس الكتاب
نقرأ حجة الإسلام الغزالي وننهل من تراثه الرحب في التربية والأخلاق ، ونترك ما تضمنت كتبه من غلو الصوفية ، أو من معارف أثبت علم العصر بطلانها ، أو ما استند إليه من الأحاديث الواهية والموضوعة التي لا سند لها .
نقرأ التفسير ، ونحذر من الإسرائيليات ، والأقوال الفاسدات .
ونقرأ الحديث ، ونحذر من الموضوعات والواهيات .
ونقرأ التصوف ، ونحذر من الشطحات والتطرفات .
ونقرأ علم الكلام ، ونحذر من الجدليات والسفسطات .
ونقرأ علم الفقه ، ونحذر من الشكليات والتعصبات .
قراءات متحيزة أو موجَهة للتراث
تنحاز بعض القراءات المتحيزة لبعض المدارس دون بعض ، ولبعض الاتجاهات والشخصيات دون بعض ، تأخذ من التراث وتدع ، وتحذف منه وتبقي ، وفق أهوائها وميولها الخاصة .
منهم من ينحاز إلى"المدرسة الفلسفية"ولاسيما"المدرسة المشائية"، التي جعلت أكبر همها التوفيق بين الفلسفة والدين ، ولكنها اعتبرت الفلسفة أصلاً ، والدين تبعاً ، فإذا تعارضا أولَ الدين ليتفق مع الفلسفة .
ومنهم من ينحاز إلى"المدرسة الاعتزالية"، ويعدُ المعتزلة"المفكرين الأحرار"في الإسلام . وحديث هؤلاء عن المعتزلة يوهم أنهم جماعة"عقلانية"محضة ، لا تذعن لنصوص الدين ، ولا تخضع لأحكام الشرع ، وهو تصوير غير صحيح ، لاسيما في مجال الفقه والأحكام العملية ، التي كثيراً ما تبعوا فيها المذهب الحنفي .
ومنهم من ينحاز إلى شخصيات معروفة دون غيرها ، مثل ابن رشد ، وابن حزم ، وابن عربي ، وابن خلدون ، وكلامهم عن هؤلاء وأمثالهم يصورهم بصورة"العقلانيين"الخلصاء ، الذين يرفضون النصوص إذا خالفت مقرراتهم العقلية .
وهذه قراءة متحيزة لهؤلاء الأعلام ، فكتبهم تدل بوضوح على أنهم ـ ككل المسلمين ـ لا يملكون أمام محكمات النصوص ، إلا أن يقولوا: سمعنا وأطعنا .
فابن رشد وابن خلدون كلاهما قاض شرعي وفقيه مالكي ، وابن رشد هو صاحب"بداية المجتهد ونهاية المقتصد"في الفقه المقارن ، الذي يتجسد فيه احترام المصادر والأدلة الشرعية كلها ، من الكتاب والسنة والإجماع والقياس .
وابن حزم وابن عربي كلاهما فقيه ظاهري ، يأخذ بظواهر النصوص وحرفيتها في مجال الفقه واستنباط الأحكام ، وإن كان على ابن عربي اعتراضات جمة في تصوفه الفلسفي .
ولكن هؤلاء العصريين يستنطقون تلك العقول الكبيرة ـ على اختلاف اهتماماتها وتخصصها ـ بما يحبون هم أن تنطق به ، لا بما نطقت به بالفعل ، فهم يريدونها مترجمة عنهم ، معبرة عن فكرهم ، لا عن ذاتها وفكرها الخاص .
ويرى الدكتور فهمي جدعان ( نظرية التراث ، عمان ، دار الشروق ، ص26 ) أن هؤلاء يستلهمون التراث الماضي ما يبررون به الواقع الحاضر ، ويرى أن عملية"الاستلهام"هذه ليست إلا عملية تسويغ لقيم الحاضر ، بإسقاط غطاء تراثي عليها ، وأن الذي يحدث عملياً أن الحاضر هو الذي يفرض قيمه ، ويلزم بها .
ومثل هؤلاء من يدعو إلى"إعادة قراءة التراث"وفق مناهج معاصرة ، ارتضاها أصحابها ، تبعاً للمدارس التي ينتمون إليها .
وهذا التوجه شائع عند المثقفين الذين مارسوا خبرة بمناهج العلوم الإنسانية الحديثة ، وبالفلسفات الغربية المعاصرة ، فكل واحد من هؤلاء يقرأ التراث وفقا لمنهجه المحدد ، ويفسره ويوجهه تبعاً لإطاره المرجعي ، فهذا يقرؤه قراءة عقلانية ، وثان قراءة لسانية ، وثالث قراءة مادية ، ورابع قراءة براجماتية ، وقراءات أخرى معرفية ووظيفية وبنيوية ، إلى آخر التصنيفات التي تحاول"أدلجة"التراث ، وتوظيفه لخدمة أفكار مدرسة معينة ، وتوجيهه توجيها قبْلياً واضحاً ، فهي ليست قراءة للفهم ، وإنما للفعل والتأثير بل"للتثوير"عند بعضهم .
يقول الدكتور جدعان: إن هذه"الأدلجة"لم تكن تعني في نهاية التحليل إلا شيئاً واحداًَ هو: أن الحاضر عاجز ـ بإمكاناته وقدراته الكامنة والصريحة ـ عن إحداث التغيير المنشود . وأن التراث الذي يشد الناس إليه ، هو الذي يملك القوة السحرية على التغيير ، وذلك ـ بطبيعة الحال ـ بعد توجيه قراءته الوجهة التي تخدم الأهداف المنصوبة ( ص28ومابعدها ) .
ماذا تعني المعاصرة ؟
إن المعاصرة تعني أن يعيش الإنسان في عصره وزمانه ، ومع أهله الأحياء ، يفكر كما يفكرون ، ويعمل كما يعملون ، يعايش الأحياء لا الأموات ، والحاضر لا الماضي . ويقتضي ذلك ما يلي:
1.ضرورة معرفة العصر: