فهرس الكتاب

الصفحة 16248 من 27364

ومما يوضح ذلك قوله تعالى في أبي لهب عم صلى الله عليه وسلم {سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ} (3) سورة المسد , ويقابل ذلك بما لسلمان الفارسي رضي الله عنه من الفضل والمكانة عند صلى الله عليه وسلم والمسلمين , ولقد أجاد من قال:

لقد رفع الإسلام سلمان فارس وقد وضع الكفرُ الشريفَ أبا لهبِ

وقد أجمع العلماء على أن الرجل إنْ مات , وليس له من الأقرباء إلا ابن كافر , أن إرثه يكون للمسلمين بأخوة الإسلام , ولا يكون لولده لصلبه الذي هو كافر , والميراث دليل القرابة , فدل ذلك على أن الأخوة الدينية أقرب من البنوة النسبية"."

واعتبر ذلك أيضاً بقول الله تعالى مخاطباً نوحاً_ عليه السلام_ في شأن ابنه الكافر: {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} (46) سورة هود , لأن مدار الأهلية هو القرابة الدينية , كما قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه:"ألا وإن ولي محمد من أطاع الله , وإن بعدت لُحْمَتُهُ, ألا وإن عدو محمد من عصى الله وإن قربت لحمته".

واعتبر ذلك بقصة إبراهيم_عليه السلام_ مع أبيه وقومه الكافرين , وتأمل قول الله عز وجل: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ } (4) سورة الممتحنة الآية .

وتأمل موقف المسيح عليه السلام مع قومه بني إسرائيل كيف أنقسموا إلى"أنصار"مؤمنين , و"أعداء"كافرين على أساس موقفهم من الإسلام , وتأمل كيف يأمرنا الله عز وجل أن نقتدي بهؤلاء المؤمنين , قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} (14) سورة الصف .

هذه هي الهوية الإسلامية المتميزة , فطرة الله التي فطر الناس عليها, صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة , لا يعرفها ثم يرغب عنها إلا من سفه نفسه , واستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.

فهل يدرك هذا عاقل- فضلاً عن مسلم مؤمن- ثم يقول للذين كفروا: { هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً} (51) سورة النساء؟!

إنه لا يُعرف مفكر مسلم , مخلص لهذه الأمة قد تلطخ بالدعوة إلى هوية غير الهوية الإسلامية , وبالعكس فإن الدعوة إلى الهويات"المزاحمة"والمضادة للهوية الإسلامية لم تترعرع إلا في أحضان أعدائنا الذين لا يألوننا خبالاً , وإلا في كنف الدعاة على أبواب جهنم الذين هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا , ممن رباهم الأستعمار في محاضنه , وصنعهم على عينه وأقامهم وكلاء عنه في إطفاء نور الإسلام , ومحو الهوية الإسلامية من الوجود.

{يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33) } سورة التوبة .

من مظاهر أزمة الهوية

يمكنك أن تراها في الشباب الذي يعلق علم أمريكا في عنقه , وفي سيارته , وفي الشباب الذي يتهافت على تقليد الغربيين في مظهرهم ومخبرهم , وفي المسلمين الذين يتخلون عن جنسية بلادهم الإسلامية-بغير عذر ملجىء- ثم يفتخرون (بالفوز) بجنسية البلاد الكافرة , وفي المذيع المسلم الذي يعمل بوقاً لإذاعة معادية لدينه من أجل حفنة دولارات أو جنيهات , وفي الجاسوس والعميل الذي يخون أمته , ويبيع وطنه , وفي تاجر المخدرات الذي لا يُبالي - في سبيل تحصيل المال - بتحطيم شباب المسلمين ونسفهم نسفاً , وفي أستاذ الجامعة الذي يسبح بحمد الغرب صباح مساء , وفي مدعي الإسلام الذي يقبل الانتظام في جيوش الدول الكافرة المحاربة لأمة الإسلام , وفي كل ببغاء مقلد يلغي شخصيته , ويرى بعيون الآخرين , ويسمع بآذانهم .

وباختصار: يسحق ذاته ليكون جزءاً من هؤلاء الآخرين { أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ } (139) سورة النساء , والعجيب أنه يعود مذموماً مخذولاً من هؤلاء جميعاً , ويعامله الله بنقيض قصده , فيتحقق فيه قول القائل:

باء بالسخطين فلا عشيرته رضيت عنه ولا أرضى عنه العدا .

وإن أقبح نموذج لمسخ الهوية وما يبوء به صاحبه من الخسار والذل هو النموذج التركي الذي يُبغِض كل ما فيه رائحة الإسلام (1) .

إن نظرةً إلى الحيز الإعلامي الذي شغله موت"أميرة ويلز"في كل أرجاء العالم المنتسب إلى الهوية الإسلامية , وما صاحبه من الطقوس الكنسية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت