إن تلميحات (بينارد) واضحة: فعندما يكره المسلمون أو يلجؤون إلى العنف؛ فهو لأنهم بطبيعتهم متطرفون أو ضالون، ولكن عندما يأتي الغرب المتحضر والمستنير والكريم، إلى ممارسة نفس الأساليب أو يناصر نفس الأهداف، فإن سلوكه هذا إما أن يتم تجاهله، أو المسارعة إلى تسويغه.
وفي النهاية، فإن أفكار (بينارد) ليست سوى نظرية ميكيافيلية تسعى إلى فرض الهيمنة الغربية والثقافة الإمبيريالية من خلال السياسة القديمة «فرق تسد» . إن نموذج الإسلام الذي تناصره (بينارد) هو ذلك النموذج الخامل الضعيف الذي يمكن اختراقه بسهولة ومن ثم تشكيله لكي يتناسب مع أجندة الغرب.
إن النموذج الذي تعوِّل عليه (بينارد) هو تركيا، والتي تعتبرها «واحدة من أنجح الدول الإسلامية» وذلك نسبة لسياستها العلمانية العدائية. لقد تم اختيار حكومتين إسلاميتين عبر الانتخابات في تركيا في السنوات الأخيرة، حيث إن الأخيرة منهما رفضت السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها العسكرية قبل الحرب على العراق.
إن الكاتبة لا تحاول فقط تشويه بعض المفاهيم الأساسية في الإسلام مثل الجهاد، والشهادة، والحجاب فحسب، ولكنها تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهي تتساءل عن مدى صحة القرآن نفسه، عندما تقول وبكل وقاحة «بأن اثنين على الأقل من سور الكتاب المقدس للمسلمين مفقودة» (*) . إن إطلاق مقولات شنيعة كهذه ضد القرآن دونما استشهاد أو دليل، ليس بالشيء البغيض فحسب، بل هو ممارسة لثقافة بائسة. وأعتقد لو أن عبارات كهذه قيلت في حق اليهود لقاموا بمقاضاتها بتهمة معاداة السامية.
إن مقترحات (بينارد) بالرغم من مسحتها الخبيثة المعادية للإسلام، ومضامينها التي تدعو إلى الفرقة في العالم الإسلامي، إلاّ أنها ليست بالشيء الجديد في صناعة السياسة الخارجية الأمريكية.
قبل عقدين من الزمان عندما انبعث التشدد الشيعي في إيران، اعتُبر أكبر تهديد للحضارة الغربية، حيث إن المئات من المسلمين السنة التقليديين كان يتم تسليحهم بواسطة الولايات المتحدة ليجاهدوا ضد الاتحاد السوفييتي. فقد كان الافتراض السائد حينها أن الحركة الوهابية من الإسلام السني هي تيار محافظ بالفطرة، ولذلك هو الحليف الطبيعي للولايات المتحدة ضد الشيوعيين والمتشددين الشيعة (1) ، أما اليوم، فالصوفية، وأنصار الحداثة، والعلمانيون، وبعض الشيعة، يُنظر إليهم على أنهم القوة الموازنة للمتشددين السنة. وفعلاً نرى أن التاريخ يعيد نفسه بطرق ملتوية.
(*) باحث في العلاقات الدولية.
(1) بول رينولد «منع صراع الحضارات» قناة بي بي سي الإخبارية 29 مارس 2004م.
(2) جاك شافير، «مركز القوة الذي هز البنتاجون» سليت MSN 7أغسطس 2002م.
(1) شاريل بينارد، «الحرب الفرنسية على الحجاب الإسلامي، دفعة إيجابية نحو حقوق المرأة» مؤسسة راند، 5 يناير 2004م.
(2) «الخبير في الشؤون الإيرانية خليل زادة يتبنى سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأدنى» خبير إيران، 7 يناير 2002م.
(3) شاريل بينارد، «الإسلام المدني الديمقراطي: الشركاء والمصادر والاستراتيجيات» مؤسسة راند.
(4) انظر الملحق: «حروب الحديث» حيث تشير الكاتبة إلى تحريف الحديث النبوي «كوسيلة تكتيكية» من أجل كسب المناظرات ضد المتشددين.
(*) لعلَّ مقالتها هذه مقتبسة من مصادر الشيعة التي تقول بأن هناك سورة اسمها: «سورة الولاية» قد انتزعت من القرآن الكريم، وأن القرآن زيد فيه ونقص منه، انظر: الخطوط العريضة، محب الدين الخطيب، طبعة الدار السلفية، مصر.
(1) توني كارين «الشيعة الذين تعتقد الولايات المتحدة أنها تعرفهم» موقع Time. com 11مارس 2004م.