فهرس الكتاب
لماذا تقدس الحرية الدينية لكل من هب ودب، وفي نفس الوقت تشن (الحروب الاستراتيجية) على المظاهر الإسلامية كاللحية والحجاب، حتى إنه لتعقد من أجلها برلمانات، وتصدر قرارات، وتثور أزمات، وتجيّش الجيوش، وترابط القوات، هذا ونحن أصحاب الدار , و:
كل دارٍ أحق بالأهل إلا في رديء من المذاهب رجس
أحرام على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس
أفكل هذا من أجل ما أسموه (قشوراً) لا! بل هم يدركون ما لهذه المظاهر من دلالة حضارية عميقة، ويدركون أنها رمز يتحدى محاولات التذويب والتمييع، ويصفع مؤامرة استلاب الهوية كمقدمة للإذلال والاستعباد.
إن من يتخلى عن (القشرة الإسلامية) سيتغطى ولا بد بقشرة دخيلة مغايرة لها، فلا بد لكل (لب) من (قشر) يصونه ويحميه، والسؤال الآن: لماذا يرفضون (قشرة الإسلام) ويرحبون بقشرة غيره؟ فيأكلون بالشمال، ويحلقون اللحى، ويُلبسون النساءَ أزياء من لا خلاق لهن، ويلبسون القبعة، ويدخنون (البايب) و (السيجار) ؟!
إن تقسيم الدين إلى قشر ولب غير مستساغ، بل هو محدَث ودخيل على الفهم الصحيح للكتاب والسنة، ولم يعرفه سلفنا الصالح الذين كل الخير في اتباعهم واقتفاء آثارهم {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ } (23) سورة النجم , وهذه القسمة إلى قشر ولُب , ظاهر وباطن _ يتبعها المناداة بإهمال الظاهر احتجاجاً بصلاح الباطن _ تلقى رواجاً عند المستهترين والمخدوعين , حينما يرون القوم يسمون المعاصي بغير اسمها .
وقسمة الدين إلى قشر ولب تؤثر في قلوب العوام أسوأ تأثير , وتورثهم الاستخفاف بالأحكام الظاهرة , وينتج عنها الإخلال بهذه الأمور التي سُميت قشوراً , فلا تلفت قلوبهم إليها , فتخلو من أضعف الإيمان ألا وهو الإنكار القلبي الذي هو فرض عين على كل مسلم تجاه المنكرات.
والتفريط في مُحَقَّرات الأعمال يؤدي إلى التفريط في عظائمها , لأن استمرار هذا التفريط يتحول مع الزمن إلى عادة تنتهي بصاحبها إلى قلة الاكتراث بأمور دينية , والتهاون بها .
ونحن إذا تسامحنا معهم في هذه القسمة إلى قشر ولُب , فإننا نلفت أنظارهم إلى أ، قياس أمور الدين على الثمار من حيث إن لكل منها قشراً ولُباً , وظاهراً وباطناً , لا يعني أن القشرة التي أوجدها الله للثمرة خُلِقت عبثاً , حاشاً وكلاَّ , بل لحكمة عظيمة وهي المحافظة على ما دونها وهو اللُب نفسه , وهذا يَحْمِلُنا على أن لا نستهين بالقشرة من حيث كونُه حارساً أميناً على اللُب , وهكذا الشأن في أمور الدين الظاهرة .
ما السبيل إلى استرداد هويتنا؟
نحن لا نبتدع هوية مفقودة , ولكننا نريد استعادة الوعى بالهوية الموجودة التي صارت كصفحة مكتوبة تراكمت عليها طبقات الأتربة , حتى صارت غير مقروءة , لأن أحداً لم يحاول قراءتها منذ زمن , فالعملية هي إزالة لهذه الأتربة واستحضار واجترار الأفكار والقيم التي يُطلب الوعي بها من وراء حائط النسيان.
وهذا الهدف لا يتم إلا بعد تحديد الوسائل , وتوظيف الطاقات المتاحة , فمن أهم هذه الوسائل:
-تدعيم الإعلام الإسلامي بكافة أشكاله ليؤدي دوره في:
1.إحياء حركة تجديد الدين بالمفهوم السلفي الواضح , لنعود إلى منابع الإسلام الصافية متمثلة في"منهاج النبوة"بعيداً عن مخلفات القرون .
2.الدعوة إلى حتمية الحل الإسلامي لمعضلات واقعنا الأليم , وتحرير الهوية المسلمة من كل مظاهر الخور والتبعية والتقليد , والقضاء على العقبات التي تحول دون تطبيق الإسلام كمنهج شامل للحياة .
3.التصدي لمحاولات تذويب الهوية الإسلامية , وقطع صلة الأمة بدينها , والتي تجري اليوم على قدم وساق من خلال تخريب مناهج التعليم , وتشويه التاريخ الإسلامي , وإضعاف اللغة العربية , ومزاحمة القيم الإسلامية بقيم غربية , وغير ذلك من أنشطة"التبشير"العالماني والغزو الفكري , وتسميم الآبار الإسلامية , أو ما يُطلق عليه الذين لا خَلاَق لهم عبارة: ( تجفيف منابع الدين ) بلا مواربة- نسأل الله أن يجفف الدم في عروقهم , وأن يأخذهم أخذ عزيز مقتدر , ويريح البلاد والعباد من شرورهم.
هل ستعود إلى المسلمين هويتهم؟
هذا السؤال يمكن صياغته بعبارة معادلة: هل سيعود إلى المسلمين مجدهم وسيادتهم ؟ وذلك نظراً للتلازم بين التمسك بالهوية وبين التمكين للدين .
والجواب: نعم , كما وعدنا الله ورسول صلى الله عليه وسلم , وصدق اللهُ ورسولُهُ , قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (9) سورة الصف , وقال رسول ا صلى الله عليه وسلم: (..ثم تكونخلافة على منهاج النبوة) , وقال الله تعالى في صفة الذين سيسلطهم على اليهود إن عادوا إلى الإفساد في الأرض: { بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} (5) سورة الإسراء , وأخبر r أن الهوية الإسلامية ستكون هي هوية الذين يقاتلون اليهود , حتي إن الحجر والشجر ليقول: