فهرس الكتاب

الصفحة 16263 من 27364

ومن العوامل الجامعة بين الدول العربية: مصيرها المشترك في كل شئون حياتها: العقدية والتشريعية والتعليمية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية والجغرافية، فهي تعلم أن أعداءها في حالة تأهب قصوى مستمرة، في النيل من كل هذه الأمور.

الدليل على ذلك واضح، في لحرب اليهودية الصليبية قديما وحديثا، على هذا الدين وأسس تشريعه وتعليمه وسياسة أتباعه الشرعية، ومصادر قوتهم الأسرية والسلوكية والعسكرية...

وما نراه اليوم من الحملة الظالمة على هذه الأسس والمصادر، خير شاهد على هذه الحرب...

ولم يتمكن أعداء هذه الأمة من هزيمتها إلا بنيلهم من هذه الأسس والمصادر...

العوامل التي فرقت بين الدول العربية

وإذا شئنا أن نجمل عوامل تفرق العرب في جميع العصور، وبخاصة في هذا العصر، فإننا نلخصها في الأمور الآتية:

الأمر الأول: تفريطها في قاعدة قواعد اجتماعها، وهو الإيمان الصادق بدينها الذي يترتب عليه تطبيق شرع الله في حياتها، بل نقول: مبالغة كثير من حكامها في إبعاد هذه الشريعة عن حياة شعوبها وحربها لمن دعا إلى تحكيك شرع الله بدلا من أحكام القوانين المصادمة للمعلوم من الدين بالضرورة في تلك الشريعة...

الأمر الثاني: تعاطي أسباب التنازع المؤدي إلى الفشل وذهاب الريح والهيبة، حتى أصبحت كل دولة تعادي الدولة الأخرى، وفقدت الثقة بين دولة وأخرى في الغالب...

بل دب الخلاف بين غالب الدول العربية وشعوبها، وتعددت في تلك الدول الأحزاب والجماعات، واحتدم الخلاف بينها أيضا، فوجه العرب صراعهم إلى ذات بينهم، فازداد ضعفهم الذي مكنوا به تداعي عدوهم على قصعتهم، وأغرقوا سفينتهم بخرقها بأيديهم...

الأمر الثالث: تعاون بعض الدول العربية ضد بعضها مع العدو، وتنافسها في التقرب إليه، طمعا في مصالح وهمية عاجلة زائلة، وهو يتربص بها جميعا، فتنقلب تلك المصالح الوهمية مفاسد عليها وعلى شعوبها، وتتكرر المآسي المترتبة على تلك المعاشرة السيئة، دون أن يأخذوا العبرة منها، فيلغون جميعا من جحر واحد مرات ومرات!

ومن مظاهر ذلك إيثار أعدائهم بالتبادل التجاري والاقتصادي وحرمان بعضهم من بعض، مع حاجة بعض الدول العربية إلى بعض في هذا المجال، حيث يوجد لدى بعضها من المصالح ما لا يوجد عند بعضها الآخر.

فدولة لديها مصادر طاقة ومال، فاقدة الأراضي الزراعية الكافية والمياه الوافرة، ودولة لديها أراض زراعية كافية ووفرة مياه فاقدة المال، وتلك لديها ثروة حيوانية تفقدها أخرى، وهذه لديها كفاءات عالية من المتخصصين في كل مجال، لا يجد كثير منهم العمل في بلادهم...

فتؤثر كل دولة سد حاجتها من الدول الأجنبية بسعر أعلى، وتصدر لتلك ما تحتاجه مما يتوفر لديها بسعر أدنى، وتستقدم كل دولة من تحتاج إليهم من المتخصصين من دول أجنبية بأجور عالية، وتحرم المتخصصين العرب ذوي الكفاءات المتنوعة من العمل فيها بأجور أقل من أجور الأجانب... فيضطر المتخصصون العرب إلى هجر بلادهم والذهاب إلى البلدان الأجنبية، ليشاركوا في بنائها وتقدمها طلبا للرزق الذي حرموا منه في البلدان العربية...

إن الدول العربية لو تبادلت المنافع والمصالح بينها لتكاملت ونالت من القوة ما تفقدها اليوم، ولقلت حاجتها للدول الأجنبية التي تتحكم فيها جميعا...

وطبق ذلك كله بين الدول العربية وسائر حكومات الشعوب الإسلامية...

الأمر الرابع: قلة صبر الزعماء العرب على ما يجري بينهم من خلافات وبخاصة في جامعة الدول العربية، فإذا اختلف زعيم مع آخر في مشروع من المشروعات النافعة، أصر كل منهم على موقفه وعطلوا ذلك المشروع ولو كان مرغوبا فيه عند بقية الزعماء...

الأمر الخامس: استبداد غالب الزعماء العرب بالتدابير العامة في سلم أو حرب، وعدم إشراك أهل الحل والعقد وذوي الاختصاص في شعوبها في تلك التدابير، التي قد يترتب عليها من الضرر ما يصيب الجميع...

وماذا عن الاتحاد الأوربي؟

هذه إشارات سريعة إلى ما يجمع الدول العربية وما يفرقها، وإلى الأحوال التي آلت إليها شعوبها بسبب الميل عن عوامل الاجتماع إلى عوامل التفرقة...

فماذا عن الاتحاد الأوربي؟

إنا إذا نظرنا نظرة تاريخية إلى العوامل التي تجمع هذا الاتحاد، وإلى العوامل التي فرقه، لوجدنا عوامل الفرقة أكثر وأقوى من عوامل الاجتماع...

فالشعوب الأوربية تختلف في لغتها اختلافا واضحا، فلا يفهم شعب منها لغة شعب آخر.

وهي مختلفة في ديانتها اختلافا وصل إلى اشتعال الحروب فيما بينها، ولا زالت المعارك دائرة في بريطانيا بين البروتستانت والكاثوليك، وكانت الحروب طاحنة بين فروع هذه الديانات في الشعب الواحد...

وقد اختلفت في سياساتها واقتصادها اختلافا أشعل بينها حربين عالميتين، أهلكت الحرث والنسل ودمرت الأخضر واليابس...

ولم تقع مثل هذه الحروب بهذه الشدة بين الدول العربية وكذلك الشعوب الإسلامية في هذا العصر، وإن حصلت حروب متفرقة بين دولة أخرى منها...

و مع ذلك نرى الدول الأوربية، قفزت قفزات عظيمة في تقاربها واجتماعها، اقتصاديا وسياسيا وعسكريا ودبلوماسيا، وكادت ترفع علم الولايات الأوربية المتحدة...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت