فهرس الكتاب

الصفحة 16264 من 27364

ويمكن تلخيص الأسباب التي مكنتها من هذا الاتحاد في ما يأتي:

السبب الأول: الإرادة الجازمة والعزم المصمم على التقارب والتعاون، في الأمور التي يتفقون عليها وتنفيذ ذلك مهما قل أو كثر...

السبب الثاني: الإرادة الجازمة والعزم المصمم على الاستمرار في الحوار في ما اختلفوا فيه، وعدم الانقطاع عن ذلك الحوار ولو طال الوقت...

السبب الثالث: ضبط تصرفات الحكومات الأوربية وتدابيرها، بأنظمة وقوانين تمنعها عن الاستبداد بالأمر، وتجبرها على الرجوع إلى شعوبها وأهل الاختصاص فيها، في الأمور العامة التي تترتب عليها مصالح ومفاسد عامة، فلا تبت الحكومات في أمر من تلك الأمور دون الرجوع إلى شعوبها...

السبب الرابع: صبر الحكومات الأوربية على ما يجري بينها من خلافات، وعد التسرع في رفض ما لا ترغب دولة أو دول قبوله، وتنازل بعض تلك الدول عن بعض مصالحها الخاصة حرصا على مصالح أعظم منها تتحقق لها بذلك...

السبب الخامس: وضع حد للتنافس المفضي إلى عدم انقياد بعضهم لبعض، فهم يتنافسون وتحاول كل دولة أن تحصل على أكبر قدر ممكن من المصالح، ومن ذلك التنافس في القيادة والرئاسة، ولكن هذا التنافس لا يصل إلى عدم انقياد بعضهم لبعض، كما يفعل العرب...

ولهذا رأينا دولا قوية تتساوى مع دول ضعيفة في رئاسة بقية الدول، في الزمن المحدد، وتتفق على كبار الموظفين في الاتحاد...

السبب السادس: اتخاذ الحكومات الأوربية الوسائل القانونية مع شعوبها، فإذا رفضت أحزاب المعارضة ما ترى الدولة عمله في الاتحاد الأوربي، دعا الحزب الحاكم إلى الاستفتاء العام، فيقول الشعب كلمته ويحسم الأمر، وقد يرفض الشعب ما يدعو غليه الحزب الحاكم اليوم، فيجد الاستفتاء غدا، ويحظى بموافقة الشعب، كما حصل مرارا في كثير من تلك الدول، في ما يتعلق بالعملة الأوربية وغيرها...

ومن أهم المشروعات التي احتدم فيها الخلاف، الدستور الأوربي الموحد، ولا زالوا يواصلون التشاور والاجتماعات بشأنه، وما إخالهم إلا سيتفقون عليه قريبا... وستعلن الولايات المتحدة الأوربية التي هيئوا غالب أسس الوحدة لقيامها...

ولقد أجمل داهية العرب عمرو بن العاص رضي الله عنه، لشعوب الروم خمس صفات تميزوا بها، نراها اليوم ماثلة أمامنا، وهي:

1-إنهم لأحلم الناس عند فتنة.

2-وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة.

3-وأوشكهم كرة بعد فرة.

4-وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف.

5-وأمنعهم من ظلم الملوك.

[صحيح مسلم، رقم (2898) وشرح النووي على صحيح مسلم (18/23)

أليست المقارنة بين الاتحاد الأوربي والجامعة العربية مخجلة؟

ألست الشعوب العربية نتجرع غصص اختلافات زعمائها الذين أوصلوها إلى هذه الحال المتردية؟

أليست فلسفة ابن خلدون صحيحة، وهي أن العرب لا تقوم لهم دولة قوية، ولا يحصل لهم اجتماع، ولا ينقاد بعضهم لبعض، إلا بصبغة دينية تجمعهم على الحق؟

ألم تدعم فلسفة ابن خلدون التجارب المتكررة في جميع العصور؟

يا زعماء العرب عودوا إلى ما أنعم الله به على سلفكم، من الوحدة بعد الفرقة، ومن العز بعد الذل، ومن الغنى بعد الفقر، ومن التبعية إلى القيادة:

?وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) ? [آل عمران]

(يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وكنتم عالة فأغناكم الله) [صحيح البخاري (4/1574) وصحيح مسلم (2 /735) ]

كتبه

د . عبد الله قادري الأهدل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت