فهرس الكتاب

الصفحة 16357 من 27364

لم تصرف الأمة عن شريعتها ، ولم تؤثر في هويتها ، أو تتركها عاجزة عن التصدي والوقوف أمام أعدائها . كان هناك دائماً انتصار بعد انكسار ، وعزيمة للخروج من الهزيمة ، وكان هناك إباء للضيم ، واستعلاء على الاحتواء ضد من كان المسلمون يرونهم أدنى مدنية وديانة ، وأردأ خلقاً وثقافة ، وأضعف جنداً وحضارة . أما في عصرنا الذي نعيشه فقد جدَّ من النازلات في حياة المسلمين ما حيَّر الألباب ، لا من مجرد وقوعه بل من استمرار بقائه ، فكم من نازلة نزلت فأقامت ، وكم من كائنة عرضت ثم استقرت ، ومصيبة قال الناس ستزول ، ولكنها طالت ودامت ، وأخرى لفظوها ورفضوها ، ثم استمرؤوها وعايشوها .

هناك حشد من الوقائع الكبيرة الحادثة في هذه المائة الأخيرة ، لم يكن للمسلمين عهد بها من قبل ، ولكن « تطبيع العلاقات » مع النوازل والمصائب ؛ جعل الناس يتعايشون معها وكأنها شيء اعتيادي ، يمكن أن نظل في ظله خير أمة وأعز أمة

وأقوى أمة ، إنها وقائع جسيمة حقاً ولكن هناك من يريد تحقيرها وتصغيرها والإبقاء على استمرارها .

-فلأول مرة يفرغ منصب الولاية العامة للمسلمين ( الخلافة ) نحو قرن من الزمان ؛ دون أن يخلف الخليفة أحد غيره كما كان العهد طوال التاريخ الإسلامي .

-ولأول مرة يسقط كيان المسلمين الدولي ، وسلطانهم العالمي ممثلاً بنظام الخلافة الإسلامية الذي سقط بسقوط الدولة العثمانية ؛ دون أن يعود هذا النظام ليقود المسلمين مرة أخرى في زمن التكتلات النصرانية والإلحادية واليهودية والهندوسية .

-ولأول مرة تستبدل الشريعة الإلهية التي حكمت المسلمين ثلاثة عشر قرناً ، لتحل محلها في الحكم بين المسلمين في معظم البلدان قوانين وضعية وضيعة ، وشرائع بشرية جاهلية ، يُحكم بها حكماً عاماً في الدماء والأموال والأعراض

والأبضاع والسياسات الداخلية والخارجية .

-ولأول مرة في تاريخ الإسلام تكون للذين كفروا اليد العليا في إدارة العالم من خلال تحكمهم في المؤسسات الدولية ، والتكتلات العالمية ؛ بينما يتخبط المسلمون مع منظماتهم الهزيلة إقليمياً وعالمياً .

-ولأول مرة تقع معظم بلاد المسلمين تحت الحكم المباشر لجيوش المعتدين الكافرين كما حدث في النصف الأول من القرن المنصرم ؛ لتسلم بعد ذلك لفئام المنافقين ، يغرقونها في الإثم والعار ، ويحكمونها بالحديد والنار .

-ولأول مرة يقوم فوق حطام الكيان الإسلامي الضخم ، كيان مسخ قزم ، يجمع أشتات أسوأ المخلوقات البشرية من اليهود ؛ ليكون لأولئك الأرجاس دولتهم القوية التي يعدونها نواة لعولمة يهودية تريد إخراج الناس من النور إلى الظلمات ،

بعد أن أخرجهم الإسلام من الظلمات إلى النور .

-ولأول مرة تسقط الأرض المقدسة في فلسطين في يد ذلك الكيان المرذول ، وتجتمع لنصرتهم فيها وتمكينهم منها طوائف الكفار جميعاً ، وبخاصة أنصار إبليس من نصارى العصر المتهودين ( البروتستانت ) الذين تناسوا ثاراتهم وعداواتهم مع

من كانوا يعدونهم قتلة المسيح وأعداء الإله ؛ ليتوحدوا بهذه العداوات ضد الموحدين .

-ولأول مرة تكون لأصحاب الصليب صولة ودولة متفردة ، يتهددون بها كل المسلمين في عقر ديارهم ، وينازعونهم في أرزاقهم ، ويفرضون عليهم حقارة حضارتهم وسخافة ثقافتهم ، دون أن يمكنوهم من الأخذ بأسباب القوة العصرية

المودعة في الأسرار التقنية التي يجري على المسلمين فرض حصار حولها ، حتى تظل بلدانهم أبد الدهر سوقاً استهلاكية ، تساق للهلاك كلما حاولت واحدة منها الخروج من ذلك الحصار الحضاري الضاري .

لقد أثمرت تلك الأوضاع متضافرة أزمة عامة ، حشوها أزمات ، ونازلة كبرى مركبة من العديد من النوازل والنكبات ، وصار تساؤل الكثيرين لا عن إمكانية الخروج عنها ، أو التخفيف منها ، بل عن كيفية التعايش معها والتسامح فيها !!

? عندما يغزوننا ولا نغزوهم ..

تحكي حركة التاريخ دائماً أن التحولات في المجتمع البشري تأتي نتيجة عمليات غزو وغزو مضاد ، وكل غزو يحمل فكرة أو عقيدة أو مذهباً يريد العلو على غيره وفرض إرادته عليه . ولما كانت الأفكار والإرادات والعقائد والثقافات

تتقلب بين كفر وإيمان ، وبين فساد وصلاح ، كانت الغلبة لفريق غازٍ ، هي غلبة لفكرته وإرادته وعقيدته وثقافته ، فعندما يغزو المؤمنون أو يصدون الغزو ، تنتصر وتعلو عقيدتهم وثقافتهم وإرادتهم ، والعكس يحدث عندما يغزوهم الكفار ، أو

يمنعونهم من الغزو لنشر الإيمان والاستقامة والتوحيد .

وهذه هي سنة التدافع التي أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: ] وَلَوْلادَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ [ ( البقرة: 251 ) ، وقوله:] وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت