فهرس الكتاب

الصفحة 16358 من 27364

يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [ ( الحج: 40-41 ) ، إن الآية الأولى - آية البقرة -

جاءت تعقيباً على قصة انتصار التوحيد بقيادة طالوت و داود ، على الشرك والوثنية بقيادة جالوت ؛ لتبين أنه لولا مثل هذا الدفع لفسدت الأرض بشرك أمثال جالوت ، عندما تعلو كلمتهم على منهج الإيمان والتوحيد الذي جاء به أنبياء كداود - عليه

السلام - . والآية الثانية - آية الحج - وهي أول آية نزلت في القتال ؛ جاءت بالإذن للمسلمين في قتال أهل الشرك من قريش ؛ لما بالغوا في إيذاء المسلمين لفتنتهم عن دينهم وإعادتهم إلى الشرك ، وبينت الآية أنه لولا هذا الأذن بمثل ذلك

الدفع في كل زمان لفسدت الأديان كلها ، وظهر الشرك وأهله على الإيمان وأهله ، ولهدمت الصوامع في ديانة موسى ، والبِيَع والصلوات في ديانة عيسى ، والمساجد في ديانة محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى الرسل أجمعين3 .

فتاريخ البشرية يحكي هذا التدافع الذي ينتج عنه فرض صاحب القوة لفكرته مهما كانت كاسدة ، وفاسدة مفسدة ، على المغلوب مهما كانت عقيدة راجحة ، صالحة ومصلحة .

ولم يحدث للمسلمين أن غُزُو غزواً عاماً بهذا المفهوم إلا في أعقاب إسقاط الخلافة العثمانية ، وما تلاها من محاولات إحلال العلمانية الكفرية محل المناهج الإيمانية في الشريعة والعقيدة ، لقد بدأ هذا الإسقاط بغزوات وحروب ، قادتها في

البداية روسيا النصرانية القيصرية الأرثوذكسية ، ثم تتابع الكاثوليك والبروتستانت على محاربة هذا الكيان الإسلامي لغزوه ، حتى كانت النهاية على يد البروتستانت الإنجليز في الحرب العالمية الأولى التي احتل الإنجليز فيها إستانبول في نهاية

مطاف طويل من التحالف بينهم وبين فريق متكامل بين المنافقين في داخل الدولة العثمانية ، وبالتعاون مع حركة الصهيونية العالمية حديثة النشأة في ذلك الوقت ، ومن يومها والأمة تتقلب بعد هذا الغزو من حال سيئة إلى حالة أسوأ .

?مسلسل النوازل ، من إستانبول إلى بغداد:

هناك أمر لافت في ترتيب العلاقة بين ما مضى بالأمس وبين ما يحدث اليوم من الأحداث ، فإذا استعرضنا من ذاكرة التاريخ القريب أحداث إسقاط الخلافة العثمانية فقط ، ثم ما تفرع عن ذلك من انفراط عقد المسلمين ؛ لوجدنا أن جُل

النوازل بعدها قد تولد عنها ، بدءًا من سيطرة الكفار العسكرية المباشرة على معظم بلدان المسلمين ثم توريثها للعلمانيين المنافقين ، ومروراً بكارثة ضياع فلسطين ، ووصولاً إلى ما يحدث الآن في العراق و أفغانستان و الشيشان و الفلبين وكل

البلدان التي يستضعف فيها المسلمون ، فالبدء كان بدولة الخلافة العثمانية الجامعة لشمل المسلمين ، والتي مثلت - بالرغم مما قيل فيها من مثالب - فخراً للمسلمين ، فسقوط هذه الدولة لم يكن تحصيل حاصل كما يزعم بعض المؤرخين ، ولا كان أملاً

جماهيرياً عند المسلمين كما يهرف جهلة المثقفين .

لقد كانت هذه الدولة عالمية بكل المقاييس ، حيث امتدت في الزمان والمكان ، فمن حيث الزمان استمر بقاؤها لأكثر من ستة قرون ، ومن حيث المكان امتدت أراضيها من آسيا إلى أوروبا إلى إفريقيا في بقاع شاسعة ، كانت تقوم على حمايتها أكثر جيوش العالم عدداً وعُدة ، حتى إنها عبرت البحر من الأناضول إلى جنوب شرق أوروبا وأواسطها ، وتمكنت تلك الجيوش التي افتتحت أمجادها بفتح القسطنطينية عاصمة الشرك الأوروبي في سنة 857هـ على يد محمد الفاتح ، تمكنت من فتح اليونان و بلغاريا و رومانيا و يوغسلافيا و ألبانيا ، و رودس ، و قبرص ، و المجر ، و كريت ، وسارت جيوشها حتى بلغت فيينا عاصمة النمسا ، ووصلت إلى جنوب إيطاليا ، فكانت أول دولة إسلامية تُدخل النور على ربوع أوروبا المظلمة التي خيمت عليها سحابات الشرك الداكنة طوال تاريخها المعتم بالجاهليات الوثنية .

ولكن هذا الصرح الإسلامي الكبير ، تكالبت عليه الأعداء كما قلنا ، وفي مقدمتهم نصارى أوروبا الذين كسر الجهاد العثماني أنوفهم ، فتحالفوا مع اليهود والمنافقين على تقويض أركان ذلك البنيان الشامخ ، وبدأ الهدم من الداخل أولاً عن

طريق الفريق المتكامل من المنافقين الزنادقة المتسمين بأسماء المسلمين ، وصاحَبَ ذلك عمليات الغزو الفكري التي كانت تمهد دائماً لكل أنواع الغزو الذي يليها ، ومع تكثيف إرساليات التنصير ، وإثارة النعرات الطائفية والمذهبية ؛ تهيأت الدولة

للسقوط بعد استعصاء طويل استمر كما قال المؤرخ الفرنسي ( دين جروسيه ) 220 عاماً تضافرت فيها جهود أعداء العثمانيين وكل المسلمين للقضاء على هذه الدولة المجاهدة .

ولا حاجة الآن لحكاية مراحل ذلك المسلسل الطويل ، ولكن ما يعنينا هو الفصل الأخير المعاصر لعملية الإسقاط ، والتي تفرعت عنه فصول أخرى متشابهة في تفاصيلها وإن كانت مختلفة في مسمياتها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت