فهرس الكتاب
وكان كتاب رشيد رضا رداً على كتاب ( الخلافة وسلطة الأمة ) الذي أعده بعض شيوخ تركيا بأمر أو تآمر من مصطفى كمال أتاتورك ، وجاء هذا الموقف المعارض لأتاتورك وشيوخه ، بعد مرحلة من التأييد والتشجيع ، خُدع فيها رشيد رضا - رحمه الله - بشعارات أتاتورك فيمن خُدع ، حتى إنه راهن عليه في إصلاح أحوال الأمة انطلاقاً من تركيا ، وطالبه بتشكيل ما أسماه ( حزب الإصلاح الإسلامي المعتدل ) ليكون ممثلاً لفكر أستاذه محمد عبده ، ولكنه اكتشف زيف دعاوى أتاتورك بعد ذلك فاتخذ منه الموقف الشرعي الصحيح ، ودعا الشيخ رشيد جاهداً إلى إعادة تأسيس الخلافة على أصول صحيحة ، بل إنه وكما يظهر من بعض كلماته في تفسير المنار ، حاول أن يسلك مسلكاً عملياً لأجل الوصول إلى ذلك الغرض الشرعي بتشكيل فريق عمل يسعى لإعادة الخلافة .
وكانت محاولات الشيخ محمد رشيد رضا لمنازلة تلك النازلة ، هي أول تحرك مبكر للتصدي لتلك المحن ، تطور بعد ذلك على شكل جماعات وحركات وهيئات وجمعيات ، قامت من أجل العمل لاستئناف الحياة الإسلامية ...
فهل أدت هذه وتلك الأدوار المناطة بها ؟ .. إن لذلك قصة أخرى ، أرجو أن تتوفر لمناقشتها فرصة أخرى .
العمل الإسلامي .. نحو حلول ممكنة لأزمات مزمنة
د. عبد العزيز كامل
نشأت بدايات العمل الإسلامي الجماعي منذ ما يزيد عن سبعين عاماً في ظرف ضرورة ، وزمان أزمة ، وحقبة اغتراب خيمت على المسلمين في العالم بعد انفراط عقدهم بإلغاء نظام الخلافة لأول مرة بعد ثلاثة عشر قرناً من عمر الدعوة ، وكان على العاملين للإسلام في ذلك الوقت أن يواجهوا طوفاناً من الفتن الهاجمة على الأمة بعد غياب سلطان الإسلام عنهم وتحالف أحزاب الشيطان عليهم ، دون أن يكون لهم معسكر يفيئون إليه ، أو أرض ينطلقون منها ، أو قوة كبرى يعتمدون عليها ، لم يكن أمامهم إلا الاعتماد على الله والاستناد إلى ركنه المكين ، وهم ينشدون نشر الدعوة وإعادة المنعة لهذا الدين .
وتطور العمل الإسلامي وتوسع في البلدان بأطياف مختلفة وأهداف متنوعة ، تشكلت للعمل لأجلها جماعات كثيرة ، اتخذت كل منها سبيلاً للوصول إلى غاية مفترضة واحدة ، وهي إعلاء كلمة الله ، ونشر دعوة الإسلام .
فكان من تلك الجماعات ما تخصص في العلم ونشره ، ومنها ما تفرع للدعوة والأعمال التربوية ، ومنها ما توجه نحو مشاريع الرعاية الاجتماعية والأنشطة الخيرية ، وبينما انتصبت جماعات للسعي في الإصلاح ليكون الإسلام هو الحل من خلال وسائل وقنوات سياسية ، رأى آخرون أن ذلك الحل لن يتحقق إلا عبر مشروعات تغيير جهادية ، تقوم على فرض حلول عسكرية للنوازل التي بدأت عسكرية ، بغزو الكفار للمسلمين في عقر ديارهم حتى وصل الأمر إلى ذروته باحتلال الإنجليز لعاصمة الخلافة الأخيرة ( إسطنبول ) - القسطنطينية سابقاً - عام 1918م وكان ذلك تتويجاً لمسيرة طويلة من الاجتياح العسكري لبلاد المسلمين ، اشتركت فيها الدول الاستعمارية بمذاهبها النصرانية الثلاثة: البروتستانية ، والكاثوليكية ، والأرثوذكسية ، فالإنجليز البروتستانت اشتركوا مع الفرنسيين الكاثوليك منذ وقت مبكر في التربص بجزيرة العرب ، فضربوا مدينة جدة عام 1858م ، ثم احتل الإنجليز الإمارات الخليجية عام 1866م ، واحتلوا مصر عام 1882م ، و السودان عام 1899م ، وكانوا قد بسطوا هيمنتهم على جنوب اليمن قبل ذلك في العام 1839م واحتلوا عُمان عام 1858م ، هذا في القرن التاسع عشر أما في القرن العشرين فقد احتل الإنجليز العراق عام 1917م ، و فلسطين عام 1918م ، و سوريا عام 1920م ، وها هم يعودون إلى العراق في القرن الحادي والعشرين بالاشتراك مع الأمريكيين في العام 2003م ، ولا يزالون يتربصون مع الأمريكيين بقائمة أخرى من البلدان العربية والإسلامية في السنوات القليلة المقبلة .
وأما فرنسا الكاثوليكية فقد احتلت مصر عام 1799م ، واحتلت الجزائر عام 1830م ، و تونس عام 1882م ، و المغرب 1911م ، و موريتانيا 1903م ، وسوريا 1918م ، واحتل كذلك الإيطاليون الكاثوليك إريتريا عام 1878م و ليبيا عام 1911م ، وحتى النمسويون احتلوا أراضي المسلمين في البوسنة و الهرسك عام 1887م .
أما الروس الأرثوذكس ، فقد بطشوا بالمسلمين أيام روسيا القيصرية ، وفي عهد روسيا الشيوعية وإلى اليوم بعد أن عاد الروس نصرانيتهم الأرثوذكسية ، فقد احتلوا بلاد القوقاز عام 1864م ، و طشقند عام 1878م ، و أوزبكستان و تركستان الغربية عام 1890م ، وضموا طاجيسكتان عام 1929م ، و تركمستان عام 1925م ، وهم إلى اليوم يتربصون بالوجود الإسلامي في آسيا ؛ فبعد غزوهم لأفغانستان عام 1979م ؛ غزوا الشيشان عام 1994م ، ثم انسحبوا منها ، ثم غزوها مرة أخرى عام 1999م .
وقد رأى الذين اختاروا الحل المسلح أن المنافقين العلمانيين الذين خلفوا المستعمرين الكفار في بلاد المسلمين لم يكونوا يقلون عن الأعداء الظاهرين إفساداً وعداءً للإسلام وأهله ، لأنهم نابوا عنهم في كل ما جاؤوا من أجله: إقصاء الشريعة ...