فهرس الكتاب

الصفحة 16370 من 27364

مطاردة الدعوة .. هدر الثروات .. شق الصفوف .. إفساد الأجيال .. ترسيخ التبعية ...

توطين الطغيان ورهن الأوطان ؛ فقد كانوا باختصار خلفاء للاستعمار باسم مستعار وهو: الوطنيون الأحرار .

وبغض النظر عن تعيين الخيار الأنجع والأوقع من بين تلك الخيارات التي توزع إليها العمل الإسلامي ؛ فإن الأمة بمجموعها كانت تحتاج إلى التنويع بين كل ذلك ؛ فاختلاف أحوالها زمانياً ومكانياً ؛ كان يفرض بين آن وآخر ومكان وآخر ؛ التركيز على لون من ألوان تلك التوجهات ؛ فبينما وجد الإسلاميون أنفسهم في ساحات معينة غير قادرين إلا على التوسع في النشاطات السلمية الرسمية ، اضطر آخرون لاتخاذ موقف الدفاع في جبهات معارضة سياسية ، أو أقحموا في منازلات ومواجهات عسكرية ، وبخاصة عندما كان يأتي الخطر من الخارج عبر الداخل من خلال المنافقين أو المغفلين ، مثلما حدث في كل البلاد التي احتلها الكفار وآخرها أفغانستان التي احتلها الروس الملحدون في أول القرن الهجري الحالي ، ثم احتلها النصارى الصليبيون آخر الربع الأول منه ، وكذلك العراق التي احتلت مؤخراً ، ووجد الإسلاميون فيها أنفسهم فجأة في مواجهة عدو غازٍ محتل ، لا يملكون خياراً في مواجهته إلا حمل النفس على حمل السلاح دون سابق إعداد أو استعداد .

لقد كان كل فصيل من فصائل العمل الإسلامي في الجملة يقوم بدور مكمل لأدوار الآخرين ، بحيث لا يمكن الزعم بأن جهداً واحداً منهم كان يمكن أن يغني عن جهود الآخرين ، فلم يكن بوسع الأمة في مرحلة ما أن تتحول كلها إلى مجاهدين ، ولم يكن مطلوباً منها في أخرى أن تفرغ كل جهدها خلف السياسيين ، ولم يكن واجباً عليها في يوم من الأيام أن تحول كل العاملين إلى علماء أو طلاب علم أو مفكرين ، كما أنها لم يكن في مستطاعها أن ترهن كل أنواع التغييرات التحتية انتظاراً للتغييرات الفوقية .

كان لا بد للسفينة أن تمضي وتسير مهما حاربتها الرياح وعرقلتها الأعاصير ، صحيح أن فصائل العمل الإسلامي لم تنسق مسبقاً لتوزيع الأدوار ، ولم تتفق قبلاً على تنويع المهام ، إلا أن الأمور سارت بقدر من الله نحو تكامل معقول أدى فيه العاملون للإسلام بمجموعهم ولا يزالون الكثير مما كان يجب أن تقوم به الأنظمة والحكومات ، تلك التي كانت في غالبها الأعم لا تكتفي بكف يدها عن الإصلاح الشرعي المطلوب لأحوال الأمة ، وإنما تعدت ذلك إلى سد الأبواب أمام المصلحين ، وفتحها أمام المفسدين والمنحرفين .

لقد كان هذا التكامل - غير المقصود - بين تخصصات العمل الإسلامي برهاناً على خيرية الأمة ، ودليلاً على قابلية التشريع ؛ لأن يعيش فيها وبها في ظل أحلك الظروف ، فحتى مع غياب (1) أخرجه أبو داود في سننه ، (3740) ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (599) .

الكيان الجامع المسؤول عن القيام بكل هذا في عالم المسلمين - أعني به نظام الدولة الواحدة ( الخلافة ) - فإن سفينة الإسلام سارت ولا تزال تسير - ويا للعجب - بغير ربان ولا قبطان .

وعندما أقول أنها سارت ولا تزال بلا ربان ولا قبطان ؛ فإني أعني بذلك غياب الولاية العالمية العامة للمسلمين ، بشقيها: السياسي والعلمي لنحو قرن من الزمان ، فلم يكن لهم طوال أكثر من قرن مضى ولاية سياسية موحدة تُخضع الجميع ، ولا ولاية علمية عامة تقنع الجميع وتجب لها طاعة الجميع كما أمر الله تعالى في قوله: [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ] (النساء: 59) .

لهذا سارت السفينة خلال قرن مضى تعترضها الأخطار ، وتصارعها الأمواج ، وتصفق فوقها الصواعق والبروق فلا تنتهي ، وتجري عكسها الرياح بما لا تشتهي ، كل ذلك وقلة من المخلصين من ركابها ينوبون عن ربانها الغائب في القيادة الجماعية القائمة على غير خبرة أو اختصاص ، وعلى غير ترتيب سابق ولا تنسيق لاحق ، لكن السفينة سارت ، وبقيت في سيرها للآن محاولة الوصول إلى بر الأمان .

إن أي تقويم لنتائج العمل الإسلامي في حقبه السابقة لا بد أن يستصحب ويستحضر هاتين المقدمتين المهمتين:

غياب الولاية السياسية العامة ،

وغياب الولاية العلمية العامة ؛

لأن غيابهما قد حول أحوال الأمة إلى ظرف استثنائي ، تعسّر فيه علاج المعضلات على أصولها ، وتعذَّر جمع الآراء حول حل لها ، فأصبح الضعف العام في الأمة لذلك يكاد يبدو بدهياً في ظل تلك الأوضاع غير الطبيعية .

? إنجازات رغم الصعوبات:

مع كل ما اقترن بمسيرة العمل الإسلامي من عراقيل وعقابيل ؛ فقد أنجز العاملون للإسلام على اختلاف أطيافهم وانتماءاتهم إنجازات كبيرة في ظل ظروف الأزمة تلك ، ويمكن تعداد أبرزها فيما يأتي:

?- إحياء كثير من معالم الدين التي كادت تندرس منهجياً وعملياً وبث الروح في صلة المسلمين بعقائدهم المستمدة من أصول أهل السنة ، مع توسيع دائرة النفور من الابتداع وأهله .

?- تحريك الضمير الديني العام للأمة نحو أهمية العودة للإسلام منهجاً وسلوكاً ، وجعل تطبيق الشريعة قضية عامة على مستوى الشعوب ، بعد أن كانت مطلباً خاصاً للجماعات الإسلامية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت